تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
فجوابه : هو أنّه على مستوى النقض واضح ، حيث لا إشكال عند الجميع من أنّ النبي ( ص ) معصوم وما يصدر منه معصوم أيضاً ، ومع ذلك تُوجد اختلافات كثيرة في ما صدر عنه ( ص ) . فالأمر إذن مرتبط بمقام الإثبات لا بمقام الثبوت ، فنحن عندما نأتي إلى النقل والوحي نجد فيه ما هو قطعي سنداً ودلالة ، ومنه ما هو ظنّي سنداً ودلالة ، بل يوجد ما هو مختلق وموضوع ، ونفس المجرى موجود في الأبحاث العقلية ، فنحن لا ندّعي أنّ كلّ ما يدركه العقل يكون معصوماً ، وإنّما منه ما هو جزميّ ومنه ما هو ضعيف ومنه ما هو خياليّ ، وإنّ طريقة الفصل في النقل بين القطعي والظني والضعيف هو الاعتماد على مجموعة علوم مثل علوم اللغة والرجال والحديث والبلاغة والأصول و . . . الخ . فكما احتجنا إلى مجموعة علوم وضوابط لفرز الغثّ من السمين والصحيح من السقيم ، فكذلك نحتاج إلى مجموعة علوم وضوابط وقواعد تساعدنا على تقليل الخطأ في نتاج العقل ورفع درجة الإصابة . فإنّنا في الأمور النقلية كلّما ازددنا دقّة قلّصنا درجة الخطأ ، ولكنّنا لا نستطيع أن نتخلّص من الخطأ نهائياً ، وكذا الحال في المسائل العقلية . إذن فدعوى اعتماد النقل لأنّه معصوم وترك العقل لأنّه غير معصوم ، هي دعوى لا أساس لها من الصحّة ولا دليل عليها . وبمراجعة يسيرة لكلمات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( ع ) في تحديد وظيفة النقل نجده يقول وبكلّ وضوح « فبعث فيهم رسله ، وواتر إليهم أنبياءه ، ليستأدوهم ميثاق فطرته ، ويذكّروهم منسيّ نعمته ، ويحتجّوا عليهم بالتبليغ ، ويثيروا لهم دفائن العقول » « 1 » وهذا يعني أنّ كلّ ما يريد قوله الوحي لنا هو موجود بالأساس في باطن العقول ولكنّه يحتاج إلى إثارة وبيان .
هامش
( 1 ) شرح نهج البلاغة ، مصدر سابق : ج 1 ص 113 الخطبة الأولى .
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 207 | حميد مجيد هدو