تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
فالكلام في أصل الحركة العرفية وليس في مصاديقها . إنّ اللحاظ العرفي إنما يتعقّد على الفقيه إذا كان الفقيه مهتمّاً بالأُمور العقلية ، وقد كان المتوقع من السيد الأُستاذ الوقوع في هذا الشَّرَك بعد أن كان قد استغرق كثيراً في دراساته العقلية المعمَّقة ، ولكننا وجدناه عرفياً وكلاسيكياً في هذا المجال وكأنه لم يدخل عالم العقليات البتّة . إنّها عملية فصل يصعب تصوّرها فضلًا عن وقوعها ، ولكنه أثبت للمتابع لحركته العلمية عكس ما هو متوقّع منه ، بل إنّه كان في أكثر من مناسبة يُوجّه نقوداته العلمية الرصينة للذين يزجّون بالقواعد العقيلة في البحث الفقهي التخصصي . ولكن هذا الفصل الجدِّي والمراعاة الفعلية للنزعة العرفية في الأحكام الشرعية لم يكن على حساب إبراز دور العقل في فهم النصّ الديني وفي التحليلات الفقهية والانتقال إلى المناخات الصحيحة التي ينبغي أن ينبثق منها الحكم الشرعي والصناعة الفقهية ، وهذا ما سيأتي توضيحه في القاعدة السادسة .

القاعدة السادسة : التوفيق بين العقل والدين

وهنا يُحاول السيد الأُستاذ أن يُوقفنا على أهمّية النظر إلى الزوايا الأُخرى التي يُمكن دخولها في الصناعة الفقهية ، وهي غير علم أُصول الفقه والتحليلات اللغوية وما هو ملحوظ أو مُعتاد عليه في هذه الصناعة الفنية . وتلك الزوايا هي ما تتعلّق بالآثار المباشرة التي يُخلّفها الحكم الشرعي ، فالمُشرّع الحقيقي عندما شرّع أحكامه في حقّ المكلفين لابدّ أن يكون قد راعى جميع الظروف التي تحيط بالمكلّف وفق موازين إلهية دقيقة ، ونحن غير قادرين على استجلاء جميع الظروف التي يُمكن أن تُحيط بالمكلفين ، وعلى فرض الإحاطة فإنّها لا يُمكن أن تكون بمستوى الموازين الإلهية
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 202 | حميد مجيد هدو