المقدّمات التي درجها الشيخ الأنصاري في مكاسبه للبحث عن قاعدة كلّية في صورة ثبوتها تختصر على الباحثين الخوض في جزئيات المسائل الثماني من النوع الأول من المكاسب .
فهو كان بصدد تحقيق هذه القضية الكبروية وهي : هل يجوز التكسب بما هو عين نجسة ، بغضَ النظر عن كون تلك العين النجسة دماً أو خمراً أو ميتة ؟ فإذا ثبت الجواز من رأس فإنّه سوف ينتفي البحث في جميع تلك التفصيلات المذكورة في أبحاث النوع الأول من المكاسب المحرمة ، لأن نجاستها ليست مانعة من التكسّب بها وفقاً للكلية المتصيَّدة من الأدلَّة الشرعية ، وأمّا إذا لم تثبت تلك
القضية الكبروية فإنّه يُصار إلى البحث في تفصيلات تلك المسائل .
وهذه الكلية يُمكن بحثها من زاويتين ، من زاوية الجواز فتكون كما تقدّم ، أو من زاوية التحريم فتصاغ الكلية على النحو الآتي : هل يحرم التكسب بالأعيان النجسة ، فإن ثبتت الحرمة على نحو الموجبة الكلية فإنّه لا تبقى من تلك المسائل سوى البحث الصغروي ، أي إثبات كون الدم نجساً ليندرج تحت تلك الكلية المانعة ، وأمّا إذا لم تثبت تلك الكبرى فإنّه لا يبقى معنى إلى بحث خصوصيّة النجاسة كمانع شرعيّ من التكسب في تلك المسائل الثماني ، فيصار إلى البحث عن موانع أُخرى ، فإذا كانت الموانع الأُخرى تنحصر بانعدام الفائدة العقلائية المعتدّ بها فإنّ البحث سوف ينفتح على مصراعيه لتخرج بالنهاية معظم الأعيان النجسة عن الموانع الشرعية ، وبذلك يصحّ التكسب بها .
إنها محاولة جريئة جداً في قراءة النصوص الدينية تبتني على الرؤية الواقعية التي تدخل عنصري الزمان والمكان كعاملين فاعلَين في النتائج الفقهية ، ولكي لا نترك مجالًا للشبهة نكرر على القارئ بأن المسألة
تتعلّق في
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 199
مساهمون: حميد مجيد هدو
ص١٩٩