هذا الأساس يتّضح أنّ القرآن الكريم مهيمن على جميع الكتب السماوية السابقة . وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بقوله تعالى : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ( المائدة : 48 ) . ومحلّ الشاهد في هذه الآية الشريفة كلمة ( مهيمناً ) ، التي تطلق على الشيء الذي يحفظ ويرتّب ويؤتمن على شيء آخر ، لذا قال الخليل الفراهيدي : الرجل يهيمن إذا كان رقيباً على الشيء وشاهداً عليه وحافظاً .
إذ إن « هيمنة الشيء على الشيء - على ما يتحصّل من معناها - كون الشيء ذا سلطة على الشيء في حفظه ومراقبته وأنواع التصرّف فيه ، وهذا حال القرآن الذي وصفه الله تعالى بأنه تبيان كلّ شيء بالنسبة إلى ما بين يديه من الكتب السماوية : يحفظ منها الأصول الثابتة غير المتغيّرة وينسخ منها ما ينبغي أن ينسخ من الفروع التي يمكن أن يتطرّق إليها التغيّر والتبدّل ليناسب حال الإنسان بحسب سلوكه صراط الترقّي والتكامل بمرور الزمان ؛ قال تعالى : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وقال : مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا » « 1 » .
المقدّمة الثالثة : القرآن الكريم آية وعلامة للكتاب المبين
فالله تعالى خلق للناس علامات وآيات وتجلّيات ، تدلّ على حكمته وقدرته وعلمه ، ومن دون هذه الآيات والعلامات يتعذّر معرفة الخالق ومن ثمّ تتعذّر بل تستحيل عبادته ، لأنّ العبادة فرع المعرفة ، فمن دون معرفة الناس بخالقهم وبارئهم لا يمكن أن يعبدوه ويتوجّهوا إليه . وهذا قانون عامّ لكلّ العوالم الخارجة عن عالم المادّة ، فكلّ ما موجود في تلك العوالم لابدّ أن يوجد له علامة وآية تدلّ عليه في عالمنا المادّي .
والنتيجة التي نرسو إليها - بناء على قانون العلامية والآيتية - هي أنّ
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 5 ص 348 .