مجرّدة لا تفنى ولا تتغيّر ، ومن المعلوم أنّ الصور ليست على شاكلة واحدة ، فهي إمّا من باب الخيرات والحسنات والنيّات الصالحة ، وإمّا من الشرور والقبائح والنيّات الفاسدة . هذه الصور التي هي تصوّرات ، والتصوّرات هي لون من المعرفة ، بذرة يودعها الإنسان في الخازن المذكور إلى حين يريد استخدامها في إنشاء صور تؤثّر فيه ، فيؤلّف فيما بينها ويركّب بعضها مع بعض ، فإن كان ذلك الخازن لا مجال فيه إلّا للنحو الأوّل من الصور فإنّ الصور الناتجة من التركيب منها مسانخة لها ، فستكون صوراً خيّرة ، مؤنسة ، ملذّة ، وإلّا فالأذيّة ، والألم ، والعذاب . قد تكون ملكاً يدخل الأُنس والسرور ، أو عقرباً يلدغ بلا هوادة .
ونِعْمَ ما قال خرّيتُ هذا الفنّ المولى النراقي ( قدس سره ) : « ثمّ لا خلاف في أنّ هذه الملكات وأفعالها اللّازمة لها ، إن كانت فاضلة كانت موجبة للالتذاذ والبهجة ومرافقة الملائكة والأخيار ، وإن كانت رديّة كانت مقتضية للألم ، والعذاب ومصاحبة الشياطين والأشرار ، وإنّما الخلاف في كيفيّة إيجابها للثواب ، أو العذاب .
فمن قال : إنّ الجزاء مغاير للعمل قال : إنّ كلّ ملكة وفعل يصير منشأً لترتّب ثواب أو عقاب مغاير له بفعل الله سبحانه ، على التفصيل الوارد في الشريعة .
ومن قال إنّ العمل نفس الجزاء قال : إنّ الهيئات النفسانيّة إذا اشتدّت ، وصارت ملكة تصير متمثّلة ومتصوّرة في عالم الباطن والملكوت بصورة تناسبها ؛ إذ كلّ شيء يظهر في كلّ عالم بصورة خاصّة ، فإنّ العلم في عالم اليقظة أمرٌ عرضيّ يدرك بالعقل أو الوهم ، وفي عالم النوم يظهر بصورة اللبن ، فالظاهر في العالمين شيء واحد ، وهو العلم ، لكنّه تجلّى في كلّ عالم بصورة . والسرور يظهر في عالم النوم بصورة البكاء ، ومنه يظهر أنّه قد يسرّك في عالم ما يسوؤك في عالم آخر ، فاللذّات الجسمانيّة التي تسرّك في هذا العالم تظهر في دار الجزاء بصورة تسوؤك
كتاب المعاد (شرح الأسفار الأربعة لصدر الدين الشيرازي) — صفحة 294
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٩٤