النصّ الثامن : الجرم الدخاني موضوعاً
وإن كانَ موضوعُ ذلكَ التخيُّلِ جرماً مركّباً دخانياً تحتَ كرةِ الأثير ، وتحتَ فلكِ القمرِ المائلِ كما زعمَه قوم آخرُ ، فهو أيضاً غيرُ صحيحٍ ؛ لعدمِ اعتدالٍ فيه يصلحُ لقبولِ النفسِ المدبّرةِ له ، فإنّه إن قرُبَ من النارِ أو من الفلكِ في حرِّ النارِ فتحيلُه النارُ بسرعةٍ إلى جوهرِها ، أو تحيلُه سرعةُ حركةِ الفلكِ إلى جوهرِ النار ، وإن بعُدَ منها ، ويكونُ في حيّزِ الهواءِ ، فإمّا أن يتخلخلَ به فيصعدُ بحرٍّ أو يتكاثفُ فينزلُ ببردٍ ، وليس فيه جرمٌ محيطٌ يغلبُ عليه من اليبسِ والصلابةِ ما يحفظُه من التبرّدِ ، ويحرسُه عن ممازجةِ غيرِه به كما للجوهرِ الدّماغيِّ فينا ليتعيّنَ فيه محلُّ التخيّلِ متشكّلًا به ، ولابدّ فيه من جوهرٍ يابسٍ لتنحفظَ فيه الصورُ ، وجوهرٍ رطبٍ لتقبلَ .
ثمّ لمّا كانت النفوسُ المفارقةُ عن الأبدان الإنسانيّة غيرَ متناهيةٍ ، لزم ما ذكروا من اجتماع المفارقاتِ كلِّها على جسمٍ من أجسامِ العالم ، فيلزمُ إمّا نهايةُ تلك الجواهرِ ، أو عدمُ نهايةِ ذلك ، وكلاهما محال .