أمّا بطلان اللّازم : لقد عرفت أنّ لازم القول بمنع التناسخ هو لزوم تعذيب الجوهر الروحاني - أي النفس الشقيّة بعد مفارقة البدن الإنساني - بالجهل المركّب وغيره من الأحوال .
أمّا بطلانه ، فلأنّه لا مجال لهذا الجوهر الذي أصبح روحانيّاً من درك وتصوّر الأُمور المحدودة الجزئيّة التي يراد تعذيبه بها ، وذلك - وبحكم روحانيّته وتجرّده - لا قوّة متخيّلة له ، حتّى تمكّنه من تصوّر الجهل المركّب الذي هو عبارة عن تصوّرات وتصديقات هي خلاف ما ينبغي ، ومردّ هذه التصوّرات والتصديقات التي هي خلاف ما ينبغي المتخيّلة ، وليس المبادي العالية ، حيث لا يفيض عنها إلّا ما هو مطابق للواقع .
والسرّ في أنّ الجوهر الروحاني لا متخيّلة له ، لأنّه مجرّد والقوّة المتخيّلة مادّية ، وبالتالي فالمطلوب من خلال هذا الشكّ ثابت ، وذلك على حدّ زعم صاحبه ، إذن فالتناسخ حقّ ، وإلّا للزم تعذيب الجوهر الروحاني بالجهل المركّب ، أو يلزم عدم وجود معذَّب بالجهل المركّب وغيره من الأحوال ، وكلاهما باطل ، أمّا الأوّل فقد عرفت وجه بطلانه ، والثاني اتّضح في ما تقدّم من أبحاث .
بل هذا الجوهر الروحاني الذي منع من الانتقال إلى بدن حيوان مناسب لملكاته لا شوق له إلى مشتهياته ولذّاته الدنياويّة ، وذلك لعدم وجود المبدأ الإدراكي الذي يقوم بهذه المهمّة ، وذلك المبدأ هو القوّة المتخيّلة ، وبالتالي فهو في منأىً عن التألّم لفقده تلك المشتهيات واللذّات ، فهو حينئذ كحال مَنْ سكنت قواه فنال من الغبطة العظمى من الرحمة الإلهيّة في عالم القدس والرحمة ، وهو ممّا لا يقبل ، والذي أدّى إلى ما لا يقبل هو منع التناسخ والقول باستحالته .
وإليك هذا الشكّ ثانيةً من خلال القياسين التاليين :
كلّ ما لا قوّة متخيّلة له : - ) لا يعذّب بالجهل المركّب وفقدان اللذّات الدنياوية
النفس العاصية الشقيّة الغير منتقلة إلى بدن حيوان مناسب : لا قوّة متخيّلة لها
كتاب المعاد (شرح الأسفار الأربعة لصدر الدين الشيرازي) — صفحة 275
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٧٥