بينهم وبين تلك النفوس التي كدحت إلى ربّها ، بالعلم والعمل ؟
صاحب الإشكال يريد القول بعد هذا : إنّ الذي أدّى إلى هذه النتيجة ، وهي عدم الشقاوة الأخرويّة والسعادةُ الأبديّة لمن لا يستحقّ إنّما هو القول بأنّ نفوس الناقصين تتجرّد عن البدن ، ولا تنتقل إلى بدن حيوان معذّب في الدُّنيا ، وذلك على حسب أخلاقهم وعاداتهم السيّئة المناسبة لذلك الحيوان ، وبهذا يكون لهم ما يستحقّون من شقاوة وعذاب .
فكّ الشكّ الثاني
يمكن فكّ هذا الشكّ من خلال عدم التسليم بأمرين ارتكز عليهما صاحب الشكّ في بناء شكّه :
أمّا الأمر الأوّل الذي ارتكز عليه في الشكّ فهو أنّ أُولئك وبسبب قلّة الشواغل يرتبطون بعالم القدس ، هذا ممّا لا يمكن التسليم به ، وذلك لعدم المناسبة ما بين الطرفين : تلك النفوس ، وذلك العالم ، وإنّما يمكن لهذه النفوس في الحالة المذكورة من قلّة الشواغل والصوارف أن تتّصل بعالم مناسب لها وهو عالم البرزخ ، وهو العالم الذي يتوسّط عالمي المادّة والعقل ، الذي هو عالم القدس والطهارة .
وأمّا الأمر الثاني الذي ارتكز عليه صاحب هذا الشكّ : أنّ الذي أدّى إلى اتّصال تلك النفوس بعالم القدس وهي في هذه النشأة إنّما هو قلّة الانشغال ، وأمّا في الآخرة فالانشغال مرفوع وبشكل كلّي ، لذلك فالالتفات إلى عالم القدس دائم ، والسعادة مستمرّة .
الجواب : لا نسلّم بعدم وجود الصوارف والشواغل هناك ، إذ لكلّ عالم شواغله ، وصوارفه الخاصّة به ، وكذلك عالم الآخرة ، فإنّ هؤلاء سيولّون وجهة غير وجهة ذلك العالم بما سوف يغشاهم من أهوال وشدائد .