تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب المعاد (شرح الأسفار الأربعة لصدر الدين الشيرازي) — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
النفسانيّةِ كلِّها ومتعلّقةً بالهيولى ، صارتْ بحسبِ اكتسابِ الصفاتِ المستقرّةِ التي هي الملكاتُ ، خارجةً من القوّةِ إلى الفعل ، وتُصوّرتْ بصورةٍ نفسانيّةٍ باطنيّةٍ لها نحوٌ آخرُ من الوجودِ في نشأةٍ أخرى ، لأنّها في هذه النشأةِ كاملةٌ بالفعل ؛ لأنّها صورةٌ وكمالٌ لجسمٍ طبيعيٍّ ، ولا يمكنُ أن يكونَ شيءٌ واحدٌ بحسب نشأةٍ واحدةٍ صورةً ومادّةً ، أو فعلًا وقوّةً ، أو كمالًا ونقصاً معاً ، فحاجةُ النفس الإنسانيّةِ إلى البدنِ إنّما هي من جهةِ كونِها قابلةً محضةً في ما لها من الصفاتِ الباطنةِ ، فإذا خرجتْ في شيءٍ منها من القوّةِ إلى الفعل وتصوّرتْ ذاتُها بصورتِها الباطنةِ لأجلِ رسوخِ تلك الصفةِ زالتْ عنها القوّةُ الاستعداديّةُ التي كانت لها فتنفصلُ عن البدنِ ، وتنفردُ بنحوٍ آخرَ مِن الوجودِ الصوريِّ من غيرِ مادّةٍ واستعداد . وأمّا النفوسُ التي غلبتْ عليها ملكةُ العلومِ الحقّة ، والأخلاق الفاضلة ، فتصيرُ محشورةً إلى عالم القدسِ موطنِ الملائكةِ المقرَّبين ، وأمّا التي غلبتْ عليها الصفاتُ الشيطانيّةُ مِن الجهل والغوايةِ والضلالِ فحشرتْ مع الشياطين ، أو الشهويّةِ والغضبيّة فحُشرتْ مع البهائمٍ والسِّباع ، وإليه الإشارةُ في قولِه تعالى : وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازيرَ ( المائدة : 60 ) ، وقد أشرْنا إلى أنّ خروجَ النفس من القوّةِ إلى الفعل لا ينافي الشقاوةَ الأخرويّةَ ، فالنفوسُ المتمرّدةُ الكافرةُ والشقيّةُ ، وإن صارتْ في حياتِها الدنيويّةِ أنجسَ ممّا كانت وأشقى ، لكنّها مع ذلك زالتْ عنها القوّةُ والإمكانُ ، وبطُلَ عنها الاستعدادُ ، وبلغتْ حدَّ الكمال في الشقاوة .