مبادي الترقّي في الحيوان
لو راجعت الأقيسة التي سيقت لبيان هذا المانع ، وذلك لمّا عالجناه في النصّ السابق ، لعرفت أنّ صاحب هذا الاعتراض إنّما يريد أن ينقض على دعوى عدم وجود المبادي التي لابدّ من وجودها لهذا الانتقال المدّعى .
بعبارة أخرى : المستشكل يريد أن يقول : هاهنا آثار تترتّب على الحيوان تكشف عن قربه من مرتبة الإنسان ، وذلك من خلال صدور أفعال وآثار تحاكي أفعال وآثار تصدر عن الإنسان ، وما ذلك إلّا لترقّي ذلك الحيوان الذي له هذه الآثار المحاكية واقترابه من مرتبة الإنسان ، وهذا يكشف إنّاً عن وجود مبادٍ لتلك الآثار في نفس الحيوان ، فهي التي من شأنها أن توصله إلى المرتبة الرفيعة للإنسان ، فالقرد مثلًا يحاكي الإنسان في أفعال عديدة ، والببغاء يحاكيه في الألفاظ والأقوال ، وتكبّر الأسد ، وحقد الجمل ، والعمل الرائع الناتج عن هندسة متقنة للنحل ، وهو ما يبدو من خلال صناعة خلاياه وبيوته السداسيّة الشكل ، والإبل الذي يُنسيه حداء الحادي ما يهمّه من مشتهيات ، فيجدّ السير على تلك الأنغام التي يطلقها الحادي ، حتّى غدا ذلك أمراً ملحوظاً في أدبنا العربي ، إذ كثيراً ما يذكر فيه حادي العيس ، الذي يسوقها بأشعار يؤدّيها بصوت فيه حنين وشجن .