تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب المعاد (شرح الأسفار الأربعة لصدر الدين الشيرازي) — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣

النصّ الثامن عشر : قابليّة الحيوان للترقّي

وأمّا ما قيل : إنّ في الحيوانِ كالفرس - مثلًا - شيئاً ثابتاً في تمامِ عمره ، ولا شيءَ من أعضاءِ بدنِه إلّا وللتحلّل فيه سبيلٌ لأجل الحرارةِ الغريزيّةِ الداخلةِ والخارجةِ من الهواءِ والمحيط ، ولو يسيراً يسيراً ، وليس لأحدٍ أن يقولَ : فرسيّةُ هذا الفرسِ ونفسُه في الانتقالِ والتبدّل . على أنّ لنفسِه إدراكاتٍ كلّية ؛ لأنّا نرى أنّه إذا ضُرب واحدٌ منها بخشبةٍ ثمّ بعد حينٍ جررتَ له خشبةً يهرب ، ولولا أنّه بقيَ في ذهنه معنىً كلّيٍّ مطابقٍ لضربٍ من ذلك النوعِ لم يهربْ ، ولما امتنعَ إعادةُ عينِ الضربِ الماضي ، بل العائدُ مثلُه لا عينُه ، فإدراكُه ليس بالمعنى الجزئيِّ ، ثمّ قد نرى هذه الحيواناتِ مع اشتراكِها في الحيوانيّةِ مختلفةً في قربِها إلى العالم الإنسانيّ وبُعدِها ، حتّى أنّ بعضَها في غايةِ القُرب من أُفق الإنسانِ كالقردِ المحاكي له في أفعالِه ، والطوطيِّ المحاكي له في الأقوالِ ، ففي بعضِها ضربٌ من القوّةِ العمليّةِ القريبةِ مِن الفعلِ العمليِّ ، وفي بعضِها ضربٌ من القوّةِ العلميّةِ القريبةِ مِن العقلِ النظريِّ ، ثمّ إنّ من عجائبِ أحوالِ بعضِ الحيواناتِ وملكاتِها كتكبّرِ الأسدِ وحقدِ الجمل وهندسةِ النحل وسماعِ الإبلِ المنسي له مشتهياته يشهدُ بأنّ لها نفوساً غيرَ منطبعةٍ ينبغي أن ترتقيَ إلى الإنسانيّة . وبالجملةِ نراها بحسبِ غرائزِها متوجّهةً نحوَ كمالٍ مترقّيةٍ إلى غايةٍ ، فإن كان ارتفاعاً إلى غايةٍ فإلى الإنسانيّة ، ثمّ إلى الملكيّةِ ، وإن لم يكنْ لها في توجّهِها الغريزيِّ غايةٌ فغيرُ لائقٍ بالجودِ الإلهيِّ منعُ المستحقِّ من كمالِه .