الانتقال إليه إنّما هو الملكات والآراء التي اكتسبتها النفس ، فإذا زالت هذه الملكات من أجل العود إلى الحالة الهيولانيّة فلا معيّن يبقى لاختيار البدن الذي يُراد الانتقال إليه .
بعبارة أخرى : الملكات هي المعيّنة للبدن الذي يُراد انتقال النفس إليه ، لكن العود إلى الحالة الهيولانيّة يعدم الملكات ، وبالتالي لا معيّن ، وإذ لا معيّن فاختيار بدن دون آخر ترجيحٌ بلا مرجّح ، وتخصيصٌ بلا مخصّص .
النشآت ثانية
« أمّا النشأة العقليّة فهي نشأة الحياة الحقيقيّة ، والبقاء الأبدي ، والخير المحض ، والنور الصرف ، والظهور التامّ ، والإدراك البحت ، أهلها كلّهم علماء ، حضور بعضهم لدى بعض في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَليكٍ مُقْتَدِرٍ ( القمر : 55 ) . . . لا غيبة هناك ، ولا فقد أصلًا بوجه من الوجوه . . .
وهذه النشأة لغاية شرفها ونقائها وعلوّها وبُعدها عن إقليم نفوسنا المتعلّقة بالأجرام ، لم يتيسّر لنا في هذا العالم أن نشاهدها مشاهدة تامّة نوريّة . . . لا لحجاب بيننا وبينها ، أو منع من جهتها ، بل لقصور نفوسنا وعجزها ، وضعف إدراكها . . .
وأمّا النشأة المثاليّة ، فهي نشأة أيضاً ذات حياة وبقاء ونوريّة وإدراك ، إلّا أنّها دون الأُولى في هذه الأحكام ، ووجودها وإن كان مستقلًّا مجرّداً عن مادّة الجسم . . . إلّا أنّها شريكة مع الأجسام في أنّها ذات امتدادات وكثرة مقداريّة ، وإن لم تكن كثرتها كثرة موجبة للتزاحم في المكان والزمان ، أو قبول القسمة . . .
وأمّا النشأة الحسّية ، فهي نشأة الموت والفناء والظلمة والجهل ، وهي مركّبة من مادّة وصورة سائلتين زائلتين ، دائمتي التغيّر والتفرقة والانقسام ، لا يتعلّق بها شعور ولا إشعار ، إلّا بتبعيّة النشأتين الأُخريين ، وإنّما يظهر للحسّ بتوسّط الأعراض ، وذلك أيضاً من حيث وحدتها الاتّصاليّة .