تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب المعاد (شرح الأسفار الأربعة لصدر الدين الشيرازي) — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
وقوله تعالى : وَمِنَ النّاسِ وَالدَّوَابِ وَاْلأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَمؤُا ( فاطر : 28 ) ، فالعلماء الذين يخشون الله هم حقيقة مباينة للناس ؛ وذلك لأنّه تعالى جعلهم في مقابلة الناس ، والدواب ، والأنعام ، وبالتالي فإنّ مغايرة حقيقة العلماء للناس إنّما هي على مستوى الفطرة الثانية لا الأولى . إذن وبحسب هذا المذهب غير المشهور ، والذي ألهمه المصنّف ( رحمه الله ) يوجد للإنسان نشأتان أو فطرتان : 1 - نشأة يكون فيها الإنسان بالقوّة ، يمكنه اكتساب الصور والفعليّات المختلفة ، وذلك بحسب الملكات التي يحصل عليها . 2 - نشأة يكون فيها الإنسان فعليّة من الفعليّات ، وصورة من الصور المناسبة لما اكتسبه بحسب استعداد الفطرة الأُولى . فإذا ما أصبح الإنسان فعليّة من الفعليّات المناسبة للملكات المكتسبة صار ذا حقيقة أُخرى مغايرة لكونه إنساناً ، فإن غلبت عليه صفات وملكات حيوان من الحيوانات كان هو ذلك الحيوان حقيقةً لا مجازاً ، فإذا ما استحكمت هذه الفعليّة ورسخت ، وقوي تمكّنها من النفس يزول عنها استعداد الانتقال من نقص إلى كمال ، وبالتالي فتكون قد وصلت إلى الاتّحاد بتلك الفعليّة ، فيصبح رجوعها إلى الفطرة الأُولى ، أو إلى شيء آخر سلب للشيء عن ذاته ، وهو محال . وقد ختم المصنّف ( رحمه الله ) كلامه في هذا النصّ بقياس من الشكل الأوّل ، حيث يثبت من خلاله امتناع العود والرجوع المذكور ، ولذلك صار متعلّقاً للتمنّي ، حيث وكما هو مذكور في محلّه من علم المعاني أنّ متعلّق التمنّي تارةً يكون ممتنعاً ، وأخرى ممكناً لا يتوقّع حصوله ، وهذا بخلاف الترجّي الذي يشترط في متعلّقه أن يكون ممكناً ، متوقّع الوقوع . فقول الكافر في قوله تعالى : يا لَيْتَني كُنْتُ تُرابًا ( النبأ : 40 ) مصداق لتمنّي الأمر الممتنع ، وهذا ما يمكن توضيحه من خلال