الشرح
علمت في النصّ السابق أنّ المصنّف ( رحمه الله ) دفع إشكالًا عمّا يسمّى بالتناسخ الملكوتي يفيد بأنّ هذا النحو من تصوّر النفوس الإنسانيّة بصور شتّى ، وذلك بحسب الملكات المتمكّنة من النفس ، يؤدّي إلى صيرورة النوع الواحد وهو الإنسان أنواعاً كثيرة ، والنوع السافل الأخير جنساً متوسّطاً ، حيث دفعه باختلاف النشأة ، وأنّ النفس في أوّل أمرها تندرج تحت نوع ، لكنّها تكون غير ذلك في مراحل متقدّمة من التكامل واكتساب الملكات . وقد استدلّ على هذا الاختلاف الذي يترتّب عليه مثل هذا الأثر ، لكنّه أراد أن يؤيّد ما ذهب إليه من مذهب لم يكن مشهوراً من أحد من الحكماء ، بآيات من الكتاب المجيد ، وهي التالية :
قوله تعالى : كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً . . ( البقرة : 213 ) أي في أوّل فطرتهم كانوا يندرجون تحت حقيقة واحدة ، ونوع واحد ، وهو الإنسان ، ثمّ اختلفوا فصاروا حقائق شتّى ، وفي هذه الآية عدم المنع من كون شيء واحد بحسب نشأة كثيراً بحسب نشأة أُخرى .
وقوله تعالى : اللّهُ وَلِيُّ الَّذينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ ( البقرة : 257 ) ، إذن هناك كثرة واختلاف في حقائق البشر ، إذ الخارج من الظلمات إلى النور لا شكّ يختلف في حقيقته عن الخارج من النور إلى الظلمات ، سيّما على اتّحاد العلم والعالم والمعلوم ، والعمل والعامل ، وهذا الاختلاف ليس على مستوى الفطرة الأُولى ، حيث إنّهم يندرجون جميعاً تحت ذلك النوع الواحد ، ويصدق عليهم حدّه ، وإنّما هو على مستوى الفطرة الثانية ، فطرة تحصيل الكمالات العلميّة والعمليّة .