النصّ الخامس عشر : الإنسان جنس تحته أنواع
وهذا المذهبُ أي كونُ النفوسِ الإنسانيّةِ في أوائلِ فطرتها من نوعٍ ، وصيرورتُها في الفطرةِ الثانيةِ أنواعاً وأجناساً كثيرةً ، وإن لم يكنْ مشهوراً من أحدٍ من الحكماءِ لكنّه ما ألهمَنا اللهُ - تعالى - وساقَ إليه البرهانُ ، ويصدِّقُه القرآنُ ، كقولِه تعالى : وَما كانَ النّاسُ إِلّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ( يونس : 19 ) ، وقولِه تعالى : تَحْسَبُهُمْ جَميعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتّى ( الحشر : 14 ) ، وكقولِه تعالى : اللّهُ وَلِيُّ الَّذينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ ( البقرة : 257 ) ، وممّا يدلُّ على أنَّ نوعَ العلماءِ من البشرِ مبائنٌ لغيرِهم قولُه تعالى : وَمِنَ النّاسِ وَالدَّوَابِ وَاْلأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَمؤُا ( فاطر : 28 ) ، فالنفسُ ما دامتْ تكونُ بالقوّة ، وفي أوّلِ الفطرةِ ، يمكنُ لها اكتسابُ أيِّ مرتبةٍ ومقامٍ شاءتْ ؛ لمكانِ استعدادِها الأصليِّ قبلَ صيرورتِها بالفعلِ شيئاً من الأشياءِ المتحصّلةِ ، وأمّا إذا صارتْ مصوّرةً بصورةٍ باطنيّة ، واستحكمتْ فعليّتُها ، ورسُخت وقويَ تمكّنُها في النفس ، فاستقرّتِ النفسُ على تلك المرتبةِ تبطلُ عنها استعدادُ الانتقالِ مِن نقصٍ إلى كمال ، وتطوّرٌ مِن حالٍ إلى حال ، فإنّ هذا الرجوعَ إلى الفطرةِ الأُولى من الفطرةِ الثانيةِ ممتنعٌ كما مرّ ، والعودُ إلى مرتبةِ الترابِ والهيولى مجرّدُ تمنّي أمرٍ مستحيلٍ ، والمحالُ غيرُ مقدورٍ عليه .