صورة بلا مادّة ، والصورة التي حالها كذلك عقل محض ، والعقل المحض لا شكّ أنّ السعادة من نصيبه .
والجواب : إنّ الإشكال إنّما كان سببه صغرى القياس الأوّل ، حيث نمنع من أنّ الصورة التي تفارق المادّة هي عقل محض ، إذ التجرّد ليس على شاكلة واحدة ، فهو تارةً يكون تامّاً ، وهو التجرّد عن المادّة وآثارها ، وتارةً يكون ناقصاً ، حيث يكون مجرّداً عن المادّة لا عن آثارها . وبالتالي فليس مطلق التجرّد يصيّر المجرّد عقلًا محضاً ، يحظى بالسعادة الأخرويّة ، وإنّما الذي يفعل هذا الفعل ، ويكون له هذا الأثر ، إنّما هو التجرّد المطلق ، أي التجرّد عن المادّة والآثار ، إذ قد تتجرّد النفس عن المادّة دون آثارها ، والآثار هذه قد تورث سعادة مناسبة لها ، وقد تورث شقاوة كذلك .
الأبدان الأخرويّة
إلى الآن ما زالت كنانة التناسخي حُبلى بالإشكالات على ما يورد على مذهبه من إشكالات ، وهي ليست بالقليلة ، حيث يحقّ للتناسخي أن يزعم ، وهو يصوّر كثرة الإشكالات الواردة عليه ، أنّ المتنبّي عناه بقوله :
رماني الدهر بالأرزاء حتّى * فؤادي في غشاء من نبال
فصرتُ إذا أصابتني سهام * تكسّرت النّصال على النصال
لسان حال التناسخي يقول : لو سلّمنا بأنّ ما تقولونه حقٌّ ، وأنّ التجرّد عن المادّة ليس على درجة واحدة ، لكن أليس تقولون إنّ للنفوس المفارقة أبداناً أخرويّة ؟ إذن فلما لا تكون هذه الأبدان موادّ لتلك النفوس ، وبالتالي فلا يصحّ قولكم إنّها صور بلا مادّة ؟
والجواب : كلام التناسخي حقٌّ لا ريب فيه ، والإشكال الذي أورده لا مهرب منه ، لكن في حال كانت الأبدان الأخرويّة عين الدنياويّة العنصريّة ،