النصّ الثالث عشر : الشقاوة في عالم القدس ! !
فإن قلتَ : كلُّ صورةٍ بلا مادّةٍ فهو عقلٌ محضٌ ، فيكونُ جوهراً كاملًا في عالمِ القدس ، فكيف يكونُ مِن الأشقياء ؟
قلتُ : المادّةُ عبارةٌ عن محلِّ الانفعالاتِ والحركاتِ للأمورِ الكائنةِ الفاسدةِ ، والتجرّدُ عنها لا يستلزمُ التجرّدَ عن المقادير والأبعادِ مطلقاً ، كما في الصورِ العقليّة ، وأمّا الأبدانُ الأخرويّةُ المناسبةُ لأخلاقِ النفوس فهي ليستْ موادَّ لتلك النفوسِ حاملةً لقوّةِ كمالاتِها وهيئاتِها ، بل هي أشباحٌ ظلّيّةٌ ، وقوالبُ مثاليّةٌ ، ووجودُها للنفس كوجودِ الظلِّ من ذي الظلِّ ، إذ هي حاصلةٌ من تلك النفوسِ بمجرّدِ جهاتٍ فاعليّةٍ وحيثيّاتٍ إيجابيّة ، لا بحسبِ جهاتٍ قابليّةٍ وحركاتٍ مادّيةٍ ، وكلّ ما يحصلُ من النفسِ بحسبِ الجهاتِ الفاعليّةِ والهيئاتِ النفسانيّةِ فذلك الشيءُ لا يكونُ مادّةً لها ولا بدناً كهذا البدنِ الذي تتعلّقُ به النفسُ تعلُّقَ التدبيرِ والتحريكِ ، بل يكونُ من اللّازم لها ، ووجودُه منها وجودُ الظلّ من ذي الظلّ ، فإنّ ذا الظلّ لا يستكملُ بظلِّه ولا ينفعلُ منه ، ولا يتغيّرُ عن حالِه بسببِه بل ولا يلتفتُ إليه ، فهذه الأحكامُ التي زعمتْها أصحابُ التناسخِ ثابتةً للنفسِ موجبةً لانتقالِها إلى بدنٍ آخرَ عنصريٍّ حاصلةً لها بعدَ انتقالِها منفسخةٌ بما حقّقْناهُ من صيرورةِ كلِّ نفسٍ في مدّةِ حياتِها الطبيعيّةِ ذاتاً مستقلّةً بوجودِها ، موجودةً بوجودٍ آخرَ غيرِ هذَا الوجودِ الطبيعيِّ المادّيِّ ، صائرةً نوعاً آخرَ متحصّلةً بالفعل بحسبِ الحقيقةِ الباطنيّة .