النصّ الثاني عشر : وجه الشقاوة الأخرويّة
فإنْ قلتَ : فإذا كانتْ النفوسُ كلُّها مترقّيةً متوجّهةً نحوَ الكمالِ الوجوديِّ حتّى الفسقةُ والجهّالُ والأراذلُ ، فما وجهُ الشقاوةِ الأخرويّة ؟
أقولُ : منشأُ الشقاوةِ أيضاً ضربٌ من الكمال ؛ لأنّ النفسَ وإن استقلّتْ بضربٍ مِن الوجودِ ، لكن لمّا اعتادتْ في هذه النشأةِ بأفعالٍ وأعمالٍ قبيحةٍ شهويّةٍ أو غضبيّةٍ أو تمكّنتْ فيه العقائدُ الفاسدةُ ، فعندَ خروجِها عن الدُّنيا ورفعِ الغشاوةِ عن بصرِها تتعذّبُ بما يتبعُها من سوءِ العاداتِ والشوقِ إلى المشتهياتِ الخسيسةِ الدنياويّةِ ، وبالاعتقاداتِ الفاسدةِ والجهالاتِ الراسخةِ .
وتوضيحُ ما ذكرناه أنّه ما مِن نفسٍ إنسانيّةٍ إلّا ولها وجودٌ استقلاليٌّ بعدَ موتِها الطبيعيِّ عن هذا البدنِ ، ولها بحسبِ ما لها مِن الأفعالِ والأعمالِ المؤدّيةِ إلى الأخلاقِ والملكاتِ نوعُ تحصّلٍ في الوجودِ والفعليّة ، سواءً كانت تلك الأخلاقُ فاضلةً مَلَكيّةً أو شيطانيّةً أو سبعيّةً أو بهيميّةً ، فإن خرجت النفسُ الإنسانيّةُ في مدّةِ كونِها العنصريِّ وحياتِها الطبيعيّةِ ونشأتِها الدنيويّةِ عن القوّةِ الهيولانيّةِ التي كانت لها في أصلِ هذه الفطرةِ ، وصارت بالفعل بحسبِ ما حصلَ لها من الملكاتِ تصوّرت بصورةِ شيءٍ مِن هذه الأجناسِ التي تحتَها أنواعٌ كثيرةٌ تصوّراً