النصّ الثامن : الكائنات ليس أكثر
وأُجيب عنه بأنّه لا نسلّمُ أنّ عددَ الكائناتِ أكثرُ مِن الفاسداتِ ، وإنّما يلزمُ ذلك لو كان تولّدُ كلِّ نملةٍ في يومٍ بانتقالِ نفسِ حريصٍ ماتَ في ذلك اليومِ إليه ، وهو غيرُ لازم ، لجوازِ أن يكونَ بانتقالِ نفسِ حريصٍ ماتَ في ألوفٍ مِن السنين ، وقد فارقتْ أبداناً كثيرةً إلى أن وصلتْ إلى هذه النملةِ ، فإنّ نفسَ الحريصِ لا تلحقُ البنيةَ النمليّةَ عند الموتةِ الأولى ، بل بعدَ موتاتٍ كثيرةٍ ، فإنّ مَن فيه هيئاتٌ رديّةٌ تتعلّقُ بعدَ المفارقةِ بأعظمِ بدنِ حيوانٍ يناسبُ أقوى تلكَ الهيئاتِ ، ثمّ تنزلُ على الترتيب من الأكبر إلى الأوسطِ ومنه إلى الأصغرِ إلى أن تزولَ الهيئاتُ الرديّةُ ، ثمّ تتعلّقُ بأعظمِ بدنٍ يناسبُ الهيئةَ التي تلي الهيئةَ الأُولى في القوّةِ متدرِّجاً في النزول إلى أن يفنى كلُّ تلكَ الهيئاتِ ، وحينئذٍ تفارقُ عالمَ الكونِ والفساد ، وتتعلّقُ بأوّلِ منازلِ الجنانِ لزوالِ العلائقِ البدنيّةِ الظلمانيّةِ والهيئاتِ الرديّةِ الجسمانيّةِ ، ولا نسلّمُ أيضاً أنّ الفاسداتِ تكونُ أكثرَ من الكائناتِ وإنّما يلزمُ ذلك لو جازَ أن يرتقيَ مِن أبدانِ الحيواناتِ إلى الإنسانِ شيءٌ مِن نفورِها ليلزمَ صعوبةُ انطباقِ العددِ الكثيرِ مِن أبدانِ حيواناتٍ كثيرةِ الأعدادِ قصيرةِ الأعمارِ كأبدانِ الذبابِ والبقِّ والبعوضِ والحشراتِ وأمثالِها ، إذ بأقلِّ حرارةٍ أو برودةٍ أو ريحٍ يموتُ ويفسدُ مِن كلِّ واحدٍ مِن هذهِ الحشراتِ في ساعةٍ ما لا يتكوّنُ من الإنسانِ إلّا في ألوفِ السنين .