الخالي عن شوبِ النقصِ والحاجةِ ، وجذبُ الحديدِ ليس مِن مراتبِ الشرفِ ، والكمالُ يكونُ في الإنسانِ أكثرَ وأولى من الجماد .
فإن قالوا : إنّ المزاجَ الأشرفَ إذا استدعى النفسَ الأشرفَ الأتمَّ ، وهي التي جاوزتْ الدرجاتِ النباتيّةَ والحيوانيّةَ ، فيجبُ أنّ النفسَ المتعلّقةَ هي التي انتقلتْ عنها .
قلنا : هذه دعوى بلا بيّنةٍ ، فإنّ نفوسَ الأفلاكِ شريفة في الغايةِ ولم تنتقلْ إليها من الحيوانِ والإنسانِ نفسٌ ، ولو سُلّمَ فالتجاوزُ والانتقالُ لا يلزمُ أن يكونَ من بدنٍ إلى بدنٍ آخرَ بل باستكمالاتٍ ذاتيّةٍ متّصلةٍ . فالنفسُ الإنسانيّةُ الحادثةُ بحدوثِ مزاجِ الإنسانِ مِن لدن كونِه منيّاً وجنيناً ، إلى أن تبلغَ إلى المرتبةِ الإنسانيّةِ ، قد صادفتِ الدرجاتِ النباتيّةَ والحيوانيّةَ على سبيلِ استكمالٍ طبيعيٍّ حاصلٍ في كلا طرفَيِ المادّةِ والصورةِ ، والبدنِ والنفس ، وقد سبقَ أنّ استكمالاتِ النطفةِ الإنسانيّةِ وتحوّلاتِها في طورِ الخلقةِ حيث كان جماداً ، ثمّ نباتاً ، ثمّ حيواناً ، ثمّ إنساناً ، يكونُ على هذا الوجهِ ، لا الذي زعمَه الجمهورُ من أنّ هاهنا كوناً بعد فسادٍ ، وفساداً بعدَ كونٍ ، مِن صورةٍ إلى صورةٍ أُخرى متبائنةِ الوجودِ ، فإنّ ذلك غيرُ صحيحٍ ، كما مرَّ في بطلانِ تفويضِ فاعلٍ طبيعيٍّ تدبيرُه في مادّةٍ إلى فاعلٍ طبيعيٍّ آخرَ ، على قياسِ تواردِ الفواعلِ المختارينَ على موضعٍ واحدٍ في صنائعِهم ، وكما استحالَ انتقالُ الفعلِ الطبيعيِّ عن أحدِ فاعلينِ طبيعيّينِ إلى الآخرِ ، كذلك يستحيلُ انتقالُ الفاعلِ الواحدِ مِن فعلٍ طبيعيٍّ إلى فعلٍ طبيعيٍّ مبائنٍ للأوّلِ مِن غيرِ جهةِ اتّحادٍ بينَهما ، وهو المعنيُّ بالتناسخ ، فيكونُ محالًا .
كتاب المعاد (شرح الأسفار الأربعة لصدر الدين الشيرازي) — صفحة 109
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٠٩