النصّ الرابع : منع كُلّيَّة
وأمّا منعُ كلّيةِ المقدّمةِ المذكورةِ أي فيضانِ الأمرِ على القابلِ الإنسانيِّ من المبدأِ ابتداءً عندَ استعدادِه مستنداً بأنّ نفوسَ النباتِ انتقلتْ إلى الحيواناتِ ثمّ صعدتْ ما تخلّصَ منها إلى مرتبةِ الإنسانِ فساقطٌ ؛ لأنّ ذلك الانتقالَ إن كان على سبيلِ الاستكمالِ الجوهريِّ المتّصلِ في مادّةٍ واحدةٍ لا في موادَّ منفصلةٍ ، كاستكمالاتِ الصورةِ الإنسانيّةِ مِن مبدأِ تكوّنِها إلى آخرِ تجرُّدِها ، فذلك ليس بتناسخٍ ، كما أشرْنا إليه ، إنّما الكلامُ في تعلّقِ النفسِ مِن بدنٍ إلى بدنٍ آخرَ مبائنٍ ، وذلك لأنّ مادّةَ النباتِ إذا استدعى بحسبِ مزاجِه واستعدادِه نفساً فاستدعاءُ المادّةِ الإنسانيّةِ بمزاجِه الأشرفِ الأعدلِ للنفسِ أولى .
لا يقالُ : مثلُ هذِه الأولويّاتِ في عالمِ الحركاتِ والاتّفاقاتِ غيرُ مسموعةٍ ، فإنَّ لبعضِ الأشياءِ أسباباً قدريّةً غائبةً عن شعورِنا ، ولو اتّفقَ الناسُ على أن يَعرفوا أنّ المغناطيسَ بأيِّ مزاجٍ استعدَّ للقوّةِ الجاذبةِ للحديدِ لم يُمكنهم ، فليس لأحدٍ أن يقولَ : إذا استعدَّ المغناطيسُ لجذبِ الحديدِ فمزاجُ الإنسان أولى بجذبِه ، لأنّه أشرفُ ، وذلك لخفاءِ المرجع .
لأنّا نقولُ : المزاجُ الأشرفُ الأكملُ يستدعي النوعَ الأشرفَ الأكملَ ، وتفاوتُ الشرفِ في الوجودِ بحسبِ درجاتِ القربِ مِن المبدأِ الأعلى ، والبُعدِ عن المادّةِ الأُولى ، فكلّما كان أشدَّ تجرّداً ، وأكثرَ براءةً مِن عوارضِ الجسميّةِ واللّواحقِ المادّيةِ ، فهو أكملُ وجوداً ، وأقربُ إلى منبعِ الوجودِ