الثاني العبودية الخاصّة : وهى العبودية الاختيارية التي امتاز بها بعض المخلوقين بمحض إرادتهم بالقرب إلى الله تعالى .
بيان ذلك : أنّ الإنسان مملوك الوجود لربّه مخلوقاً مصنوعاً له ، سواء جرى في حياته على ما تستدعيه مملوكيته الذاتية واستسلم ، أو لم يجر على ذلك فهو مملوك ، لكن هذا الإنسان قد يقوم بأدب المملوكية والعبودية لله
تعالى ، وقد لا يقوم بذلك . كما لو كان إنسان وله عبد مملوك ، فعبودية هذه العبد لمولاه يعنى العبودية العامّة سواء أطاع مولاه أم لا .
نعم إذا قام بأدب العبودية والمملوكية فهذه عبودية خاصّة تختلف عن العبودية الأولى ؛ لأنّه قد يطيع مولاه لكنه خوفاً من العقاب فهو يعيش في داخل نفسه الاستكبار على مولاه ، وإن أطاعه خوفاً أو طمعاً ، وعلى هذا فإنّ جميع المخلوقات مملوكة لله ولها عبودية عامّة تكوينية ، لكن البعض من هذه المخلوقات قاموا بأدب العبودية بأرقى وأكمل ما يمكن ، فعبدوا الله لا خوفاً من ناره ولا طمعاً في جنته ، وإنّما عبدوا الله ؛ لأنّه أهل العبادة ، بمعنى أنّ مقتضى مولويته تعالى أن يخضع العبد لمولاه سواء كانت هناك نار أو لم تكن ، وسواء كانت هناك جنة أو لم تكن ، فالعبد هو الذي يسلم وجهه لربّه كما تقدّم عندئذٍ يدخل الإنسان في الولاية الإلهية فيكون الله وليّه ومسدّده في كلّ شئ . وفى الحديث القدسي : « لا يزال العبد يتقرّب إلى بالنوافل والعبادات حتى أحبّه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشى بها » « 1 » .
ومن هنا يتّضح معنى الرواية الواردة عن زيد الشحّام قال : « سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول :
إنّ الله تبارك وتعالى اتّخذ إبراهيم عليه السلام
هامش
( 1 ) عوالي اللآلي ، مصدر سابق : ج 4 ، ص 103 .