هذه الأولية ؛ أهي أولية زمانية ، أم أنّها أولية رتبية ؟ إذاً للإسلام مراتب ودرجات وأوّل مراتبه الشهادة اللفظية ، وآخر مراتبه العبودية المحضة لله سبحانه وهى التي وصفها القرآن الكريم بأوّل المسلمين .
إن قيل : معنى هذه الأولية ، هي الأولية الزمانية ، ويكون المقصود منها هي أنّ نبينا صلّى الله عليه وآله أوّل المسلمين في عصره وبالنسبة لأمّته ؛ وإن
كان آخر الأنبياء والرسل بعثاً .
إلّا أنّ ما يلاحظ على هذا الجواب هو أنّ بقية الأنبياء لا سيما أولى العزم الذي سبقوا نبينا صلّى الله عليه وآله هم أولى بتسمية كلّ واحد منهم بأوّل المسلمين ؛ لأنّ كلّ واحد منهم يكون أوّل المسلمين بالنسبة إلى أمّته وعصره ، ومع ذلك لم يستعمل القرآن الكريم هذه الصيغة بالنسبة لغير نبيّنا صلّى الله عليه وآله من بقيّة الأنبياء ، إذاً الاستعمال القرآني لصيغة « أوّل المسلمين » مختصّ بنبيّنا صلّى الله عليه وآله دون سواه ، مما يكشف عن أنّ هذه الأولية ليست هي الأولية الزمانية ، وبذلك ينحصر هذا النعت « أوّل المسلمين » بالأولية الرتبية ، أي أنّ الرسول صلّى الله عليه وآله أوّل الأنبياء رتبة من حيث الانقياد والطاعة والعبودية لله تعالى ، فهو أوّل من حاز أعلى مراتب العبودية والقرب الإلهى .
من هنا نجد القرآن الكريم لم يستعمل لفظ « العبد » مطلقاً ومن دون تقييد إلّا في الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله ، كما في قوله تعالى : ( سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) « 1 » ( بينما نلاحظ القرآن الكريم إذا ذكر اسم العبد في غير نبيّنا صلّى الله عليه وآله فإنّه يذكر العبودية مع ذكر اسم
هامش
( 1 ) الإسراء : 1 .