والقرب الإلهى بالنحو الذي لا يترك أىّ مجال لإنسان بعده أن يحظى بما حظى به ، فهو صلّى الله عليه وآله قد بلغ الحدّ الأعلى من الكمال ونال الشرف الأسمى ، وله درجة لم ولن يصلها أحد أبداً .
إذاً فالنبي محمّد صلّى الله عليه وآله ليس أكمل البشرية والأنبياء السابقين
فحسب ، بل لا يمكن أن يأتي بعده إنسان يكون أكمل منه .
الدليل الثالث : قوله تعالى : ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ « 1 » .
ومحلّ الشاهد في هذه الآية الشريفة كلمة « مهيمناً » التي تطلق على الشئ الذي يحفظ ويرتب ويؤتمن على شئ آخر قال الخليل الفراهيدى : الرجل يهيمن إذا كان رقيباً على الشئ وشاهداً عليه وحافظاً .
وقال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى : ( وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ( :
« هيمنة الشئ على الشئ على ما يتحصّل من معناها كون الشئ ذا سلطة على الشئ في حفظه ومراقبته وأنواع التصرّف فيه ، وهذا حال القرآن الذي وصفه الله تعالى بأنّه تبيان كلّ شئ بالنسبة إلى ما بين يديه من الكتب السماوية ، يحفظ منها الأصول الثابتة غير المتغيّرة ، وينسخ منها ما ينبغي أن ينسخ من الفروع التي يمكن أن يتطرّق إليها التغيّر والتبدّل ، حتى يناسب حال الإنسان بحسب سلوكه صراط الترقّى والتكامل بمرور الزمان ؛ قال تعالى : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ ( وقال : مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا . . . « 2 » ( .
فالقرآن الكريم حافظ لجميع الشرائع السماوية السابقة صائن لها من
هامش
( 1 ) المائدة 48 .
( 2 ) الميزان ، مصدر سابق : ج 5 ، ص 348 .