تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فلسفة الدين (مدخل لدراسة منشأ الحاجة إلى الدين وتكامل الشرائع) — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
مستعينة بما أخذته من توجيهات ، وهكذا حتى تصل تدريجياً إلى شخص تأخذ منه الخارطة الكاملة وتستغنى دوماً بتلك الخارطة عن دليل جديد . أو كالطبيب الذي يصف للمريض لكلّ شهراً علاجاً خاصّاً يتناسب مع حالته ودرجة تحمّله للعلاج ، فالعلاج وإن اختلف من مرحلة لأخرى إلّا أنّ هدف الطبيب واحد وهو علاج المريض والوصول إلى كماله البدني وسلامته . وهكذا الحال بالنسبة للشرائع الإلهية ، فهي تسير نحو هدف واحد ومقصد واحد ، وإن اختلفت وتفاوتت في تعليماتها وتفاصيلها ، وإنّ كلّ شريعة لاحقة تكمل الشريعة السابقة لا أنّها متباينة أو متقاطعة معها . والحاصل أنّ صراط الأنبياء الذين هداهم الله إليه وإن كان يختلف بحسب ظاهر الشرائع سعةً وضيقاً إلّا أنّ ذلك إنّما هو بحسب الإجمال والتفصيل وقلة استعداد الأمم وكثرته ، والجميع متّفق في حقيقة واحدة وهو التوحيد الفطري والعبودية التي تهدى إليه البنية الإنسانية بحسب نوع الخلقة التي أظهرها الله سبحانه على ذلك . ومن المعلوم أنّ الخلقة الإنسانية بما أنّها خلقة إنسانية لا تتغيّر ولا تتبدّل تبدّلًا يقضى بتبدلّ أصول الشعور والإرادة الإنسانيين ؛ فحواسّ الإنسان الظاهرة وإحساساته وعواطفه الباطنة ومبدأ القضاء والحكم الذي فيه وهو العقل الفطري لا تزال تجرى بحسب الأصول على وتيرة واحدة وإن اختلفت الآراء والمقاصد بحسب الاستكمال التدريجي الذي يتعلّق بالنوع والتنبّه بجهات حوائج الحياة . وعلى هذا الأساس تكون الشريعة الخاتمة واجدة لكمالات الشرائع السابقة وزيادة ، بمعنى أنّها قادرة على الاستجابة لكلّ متطلبات الإنسان مهما بلغت من درجات التكامل المادّى والمعنوى ، بخلافه في الشرائع