فكان لسان حال النبي صلّى الله عليه وآله مع قومه : إنّى عشت معكم كلّ هذا العمر ولم تلاحظوا صدور مثل هذا الكلام منىّ ، والآن وبعد أربعين عاماً من عمرى لاحظتم صدور كلام يختلف عن كلامي السابق ، فلو لم يكن من الله لوجدتم مثله فيما سبق ، فهو إذاً كلام الله جرى على لساني ، وقد حكى ذلك القرآن الكريم بقوله تعالى : ( قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلَا تَعْقِلُونَ ) « 1 » ( وقوله : ( وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ) « 2 » ( فلو كان صلّى الله عليه وآله متعلّماً لشكّ الذين يرمون إبطال الرسالة ، وتذرّعوا بأنّه مما تعلّمه .
فمن خلال المقارنة بين شخصية النبي صلّى الله عليه وآله وما جاء به من تشريعات وأحكام وبين الظروف الاجتماعية والفكرية التي كانت سائدة في الجزيرة العربية ، يتّضح أنّ ما جاء به النبي صلّى الله عليه وآله من هذه الأحكام والمفاهيم لا يمكن أن تكون من نتاج ذلك المجتمع المتخلّف ، مضافاً إلى أنّ النبي صلّى الله عليه وآله نفسه كان يعيش أمّياً بين قومه ، ولم يعرفوا عنه أنّه طلب العلم يوماً ، أو كانت له هذه القدرة من البلاغة والفصاحة كالتي جاء بها القرآن الكريم .
فبمقارنة مستوى الجزيرة العربية المتخلّف في كلّ جوانب الحياة وبين المستوى العظيم للرسالة الإسلامية ، يحصل اليقين بأنّ ما جاء به محمد صلّى
الله عليه وآله هو من عند الله وليس من صنع البشر .
هامش
( 1 ) يونس : 16 .
( 2 ) العنكبوت : 48 .