ومن هذه الأحاديث : « عن أبي عبد الله ( ع ) : أنّ رجلًا جاء إلى أمير المؤمنين وهو مع أصحابه فسلّم عليه ثمّ قال : أنا والله أحبّك وأتولّاك . فقال له أمير المؤمنين
: ما أنت كما قلت . ويلك إنّ الله خلق الأرواح قبل الأبدان بألفَي عام » « 1 » .
وعن النبيّ ( عليهما السلام ) : «
أوّل ما خلق الله روحي » « 2 » ) .
وعن أبي جعفر ( ع ) ، قال :
« إنّ العباد إذا ناموا خرجت أرواحهم إلى السماء ، فما رأت الروح في السماء فهو الحقّ ، وما رأت في الهواء فهو الأضغاث ، ألا وإنّ الأرواح جنودٌ مجنّدة ، فما تعارف منها إئتلف ، وما تناكر منها اختلف » « 3 »
ونحوها من الأحاديث الكثيرة في هذا المضمون .
أجاب صدر المتألّهين : بأنّ هذه الروايات لا تنافي ما ذهب إليه من كون النفس جسمانيّة الحدوث ، حيث وجّه هذه الروايات بما ينسجم مع المبنى المذكور ، وحاصل هذا التوجيه هو : أنّنا ذكرنا آنفاً أنّ للنفس مراتب ونشآت متعدّدة ، وبعض هذه النشآت قبل حدوث النفس ، كما في وجود النفس في مرتبة علّتها وسببها ، بمعنى أنّ نفوس الآدميّين موجودةٌ في رتبة عللها العالية ومبادئها الأولى ، وهذه العلل العالية تفيض هذه النفوس على الأبدان بعد أن تكون الأبدان صالحةً ولائقةً لإفاضة النفوس ، وحينئذٍ تأخذ هذه النفوس حكم الطبائع المنطبعة في المادّة « 4 » .
هامش
( 1 ) بصائر الدرجات : ج 2 ص 87 .
( 2 ) بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار ( عليهم السلام ) : ج 54 ص 39 .
( 3 ) علل الشرائع : ج 1 ص 89 ، حديث ( 1 ) .
( 4 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة : ج 8 ص 346 - 347 .