تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهاية الحكمة (القوة والفعل والقدم والحدوث) — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
تعقّلاتٌ كلّية . فالبدن باستعداده يستدعي صورةً مادّية ، وجود المبدأ الواهب الفيّاض أفاض عليه كلمةً عقليّةً ولطيفةً ملكوتيّةً فوق ما يستدعيه بلسان استعداده من باب الاستجرار والاستتباع ، فيكون البدن علّةً قابليّةً لجوهر النفس بالعرض لا بالذات . وقد شبّهوا البدن بشبكةٍ يقتنص بها النفس المجرّدة التي هي من طيورٍ سماويّةٍ محبوسةٍ في أقفاص الأجرام الأرضيّة ، فبعد وقوع طير النفس في الوجود بواسطة الشبكة لا يحتاج في بقائها إلى بقاء الشبكة » « 1 » .

نكتة مهمّة

النكتة التي يجب التنبيه عليها هي : أنّ النفس في بداية حدوثها تأخذ حكم الطباع المنطبعة في المادّة ، من قبيل الجنين ، أي : له احتياجٌ شديدٌ إلى الرحم ، وكالصور النوعيّة الحالّة في المادّة ، وبواسطة الاستعداد الموجود لدى المادّة والتحوّل الجوهري والحركة القطريّة تتوجّه إلى عالم التجرّد ، حينئذٍ تصير النفس موجوداً مجرّداً عقليّاً لا يحتاج إلى البدن واستعداده ، وهذا ما ذكره صدر المتألّهين بقوله : « لمّا كانت للنفس الإنسانيّة ترقّياتٌ وتحوّلاتٌ من نشأةٍ أولى إلى نشأةٍ أخرى ، كما أشير إليه بقوله تعالى : ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ( الأعراف : 11 ) فإذا ترقّت وتحوّلت وبُعثت من عالم الخلق إلى عالم الأمر ، يصير وجوده وجوداً مفارقاً عقليّاً لا يحتاج حينئذٍ إلى البدن وأحواله واستعداده . فزوال استعداد البدن إيّاها يضرّها ذاتاً وبقاءً ، بل تعلّقاً وتصرّفاً ؛ إذ ليس وجودها الحدوثيّ هو وجودها البقائي ؛ لأنّ ذلك
هامش
( 1 ) المبدأ والمعاد : ص 313 .
شرح نهاية الحكمة (القوة والفعل والقدم والحدوث) — صفحة 304 | السيد كمال الحيدري