مادّي ، وهذا مفارقٌ عن المادّة ، فليس حالها عند حدوثها كحالها عند استكمالها ومصيرها إلى المبدأ الفعّال ، فهي بالحقيقة جسمانيّة الحدوث روحانيّة البقاء . ومثالها كمثال الطفل وحاجته إلى الرحم أوّلًا واستغنائه عنه أخيراً ، لتبدّل الوجود عليه . وكمثال الصيد والحاجة في اصطياده إلى الشبكة أوّلًا ، والاستغناء في بقائه عند الصيّاد أخيراً ففساد الرحم والشبكة لا ينافي بقاء المولود والصيد ولا يضرّه » « 1 » .
وقال في الشواهد الربوبيّة : « يجب عليك أن تعلم : أنّ النفس التي هي صورة الإنسان جسمانيّة الحدوث روحانيّة البقاء ، إذ قد مرّ : أنّ العقل المنفعل آخر المعاني الجسمانيّة وأوّل المعاني الروحانيّة . فالإنسان صراطٌ ممدودٌ بين العالمين ، فهو بسيطٌ بروحه ، مركّبٌ بجسمه . طبيعة جسمه أصفى الطبائع الأرضيّة ، ونفسه أولى مراتب النفوس العالية ، ومن شأنها أن يتصوّر بصورة الملكيّة . فمتى عدلت عمّا هو بها أليق ، فهي به أحقّ من الارتقاء إلى منازل العوالي فيخرج من صورة الإنسانيّة ويفوتها صورة الملكيّة فتكتسب بأعمالها إمّا صورة شيطانيّة أو سبعيّة أو بهيميّة ، فبقيت في سعير النيران غير مرتقيةٍ إلى درجات الجنان » « 2 » .
إشكاليّة خلق الأرواح قبل البدن
هنالك عددٌ وافر من الروايات تكشف عن : أنّ النفوس والأرواح مخلوقةٌ قبل البدن ، وهذا يتنافى مع مبنى صدر المتألّهين القائل : بأنّ النفس جسمانيّة الحدوث .
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة : ج 8 ص 393 .
( 2 ) الشواهد الربوبيّة ، الشاهد الثاني ، الإشراق السادس : ج 1 ص 223 .