ثمّ قال : « فتدبّر قوله تعالى : قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً . . . ( الكهف : 110 ) ، وقوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ . . . ( لقمان : 28 ) ، والقرآن مأدبة الله ، وما على تلك المأدبة الإلهيّة - وهي غير متناهية - طعامك ؛ قوله سبحانه : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ . . . ( عبس : 26 ) ، فذاتك ظرف يتّسع ما على تلك المأدبة . وقال قدوة الموحّدين مولانا الإمام أمير المؤمنين عليّ ( ع ) : (
كلّ وعاءٍ يضيقُ بما جُعل فيه إلّا وعاء العلم فإنّه يتّسع به
) « 1 » وهذه كلّها تدلّ على أنّ النفس ليس لها مقامٌ معلومٌ في الهويّة . وقد قال الوصيّ الإمام عليّ ( ع ) في وصيّته لابنه محمّد : (
اعلم : أنّ درجات الجنة على عدد آيات القرآن . فإذا كان يوم القيامة يقال لقارئ القرآن : اقرأ وارق
) « 2 » فافهم » « 3 » .
وقال المحقّق السبزواري :
« وأنّها بحت وجود ظلّ حقّ * عندي وذا فوق التجرّد انطلق » « 4 »
وفي « المبدأ والمعاد » عرض هذا المطلب بصورةٍ واضحة فقال : « إنّ النفس المجرّدة لها وجودٌ للبدن ولها وجودٌ لذاتها ، والبدن علّةٌ قابليّةٌ لوجودها له ، لا لوجودها لذاتها ، اللّهم إلّا بالعرض . فإنّه إذا حدثت مادّةٌ بدنيّةٌ ذات كيفيّةٍ مزاجيّة ، صالحةٍ لأن يكون آلةً للنفس ومملكةً لها ، أحدث الباري الجواد - باستخدام بعض الملائكة المقرّبين المفارقين عن عالم الموادّ والقوى بالكلّية - النفس الجزئيّة التي هي صورةٌ للبدن ومبدأٌ لأفاعيل إنسيّةٍ وأخلاقٍ وتدابير بشريّةٍ مؤيّدةٍ بروح القدس ، لأنّ تلك التدابير لا يتمّ إلّا بجوهرٍ قدسيٍّ له
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، شرح الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبدة : ج 4 ص 47 .
( 2 ) ثواب الأعمال وعقاب الأعمال ، الشيخ الصدوق : ص 129 .
( 3 ) الأدلّة على الحركة الجوهريّة : ص 85 .
( 4 ) شرح المنظومة : ج 5 ص 124 .