وقال صدر المتألّهين في كيفيّة حدوث النفس بصورةٍ صحيحة : « الفاعل للنفس الناطقة أمرٌ قدسيٌّ مفارقٌ عن المادّة وعلائقها ، سواءً كان صورة أو نفساً أخرى . وذلك الأمر المفارق هو المسمّى بالعقل الفعّال عند الحكماء - وعند الأوائل وعظماء الفرس سمّي ( روان بخش ) بلغتهم - ووجه التسمية بالعقل : أنّه صورةٌ مجرّدةٌ معقولةٌ لذاته بذاته . فإنّ كلّ مجرّدٍ عن المادّة - كما مرّ في مباحث العقل والمعقول - يجب أن يكون عاقلًا لذاته ، وأنّ عقله لذاته نفس وجود ذاته ، لا لأجل حضور صورةٍ أخرى . فذاته عقلٌ وعاقلٌ ومعقول » « 1 » .
وفي موضع آخر قال : « اعلم : أنّ هذه المسألة دقيقة المسلك بعيدة الغور ، ولذلك وقع الاختلاف بين الفلاسفة السابقين في بابها . ووجه ذلك : أنّ النفس الإنسانيّة ليس لها مقامٌ معلومٌ في الهويّة ، ولا لها درجةٌ معيّنةٌ في الوجود كسائر الموجودات الطبيعيّة والنفسيّة والعقليّة التي كلٌّ له مقامٌ معلوم ، بل النفس الإنسانيّة ذات مقاماتٍ ودرجاتٍ متفاوتة ، ولها نشآت سابقةٌ ولاحقة ، ولها في كلّ مقامٍ وعالَمٍ صورةٌ أخرى ، كما قيل :
لقد صار قلبي قابلًا كلّ صورةٍ * فمرعى لغزلانٍ وديراً لرهبان
وما هذا شأنه ، صعب إدراك حقيقته ، وعسر فهم هويّته » « 2 » .
وقد ذكر الشيخ حسن زادة آملي في تعليقته على الأسفار أنّه : « وقع الاختلاف في النفس الناطقة على زهاء مائة قول ، فراجع العين الرابعة من كتابنا ( عيون مسائل النفس ) وشرحها ( سرح العيون في شرح العيون ) » « 3 » .
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة : ج 8 ص 398 .
( 2 ) المصدر السابق : ج 8 ص 343 .
( 3 ) الأدلّة على الحركة الجوهريّة ، الشيخ حسن زادة آملي : ص 85 .