قال الشيخ الرئيس : « لولا ذلك في جوهر الفلك لما صَلُح على لسان أكثر الأمم : أنّ الله تعالى على السماء . وبالجملة : إنّ العناصر إذا امتزجت امتزاجاً قريباً من الاعتدال جدّاً ، وسلكت طريقاً إلى الكمال أكثر ممّا سلكه الكائن النباتي والحيواني ، وقطعت من القوس العروجي أكثر ، اختصّت بالنفس الناطقة المستخدمة لجميع القوى النباتيّة والحيوانيّة ، وهي كمالٌ أوّل لجسمٍ طبيعيّ إلى جهة ما تدرك الأمور الكلّية والمجرّدات وتفعل الأفعال الفكريّة .
فلها باعتبار ما يخصّها من القبول عمّا فوقها والفعل فيما دونها قوّتان : قوّة عالمة وقوّة عاملة ، فبالأولى تدرك التصوّرات والتصديقات وتسمّى بالعقل النظري والقوّة النظريّة ، وبالثانية تستنبط الصناعات الإنسانيّة وتعتقد القبيح والجميل فيما تفعل وتترك ، كما أنّ بالنظريّة تعتقد الحقّ والباطل فيما تعقل وتدرك ، وتسمّى بالعقل العملي والقوّة العمليّة ، وهي التي تستعمل الفكر والرويّة في الصنائع المختارة للخير أو ما يُظنّ خيراً في العمل .
ولها الجربزة والغباوة ، والتوسّط بينهما يسمّى بالحكمة العمليّة التي هي من الأخلاق لا من العلوم النظريّة أو العمليّة اللتين كلّما كانتا أكثر وأشدّ كان أفضل .
وهذه القوّة خادمةٌ للنظريّة مستعينةٌ بها في كثيرٍ من الأمور ، ويكون الرأي الكلّي عند النظري ، والرأي الجزئي المعدّ نحو المعمول عند العملي » « 1 » .
وعلى هذا الأساس فإنّ الموجود المادّي إذا استكمل في النشآت العنصريّة والجمادّيّة والنباتيّة والحيوانيّة يصل إلى حالةٍ صالحةٍ لإفاضة النفس والروح المعنويّة وهي النفس الناطقة .
هامش
( 1 ) المبدأ والمعاد : ص 257 .