أنّ العناصر الأربعة حينما تصل إلى حالة اعتدال وتصل إلى أن تصبح صالحة لقبول النفس الناطقة ، فإنّ الله تعالى يفيض عليها النفس التي تكون مدركةً للكلّيات والجزئيّات وتكون متصرّفةً في البدن .
وبعبارات قريبة ممّا في الشواهد الربوبيّة قال في المبدأ والمعاد : « الأجسام أوّل ما تمازجت وتصالحت قواها المتضادّة بسبب الكسر والانكسار والفعل والانفعال ، استعدّت لقبول أثرٍ من الفيض الإلهي ولمعةٍ من النور الوجوديّ ، وهو الصور المعدنيّة الحافظة للعناصر من التضادّ والتفارق والتهارب وسائر ما يظهر منها من بعض اللمعان والصفاء والتلألؤ ، كما في الدرر واليواقيت وما فيه زبرجٌ نوريّ .
ثمّ إذا تركّبت تركيباً أقوى في التوسّط وأوغل في الاعتدال ، فاض عليها ما يظهر به منها بعض آثار الحياة من التغذية والتنمية والتوليد ، وهكذا تراها متوغّلة في نقض التضادّ وهدم الخلاف إلى أن تصل إلى درجة الحيوان ، فيصدر منها كثيرٌ من آثار الروح والعقل ، إمّا بأن يكون صورها الحيوانيّة ونفوسها الحاسّة بمنزلة الآلات لأفاعيل النطقيّة ، صادرةً عنها بإلهام بعض الملائكة الروحانيّين ، أو يكون نفوسها بأعيانها جواهر روحانيّةً بالذات ، كما ذهب إليه الأقدمون .
فإذا بلغت إلى غاية التوسّط من الأطراف المتضادّة ، فاعتدلت أو قربت حدّاً من الاعتدال الرافع للتضادّ ، الذي هو بمنزلة الخالي عن الأضداد كالسبع الشداد وما فيها ، استعدّت لقبول الفيض الذي أكمل ممّا يمكن قبوله وقبلت من التأثير الإلهي ما قبلته الأجرام العلويّة والعرش الأعظم الذي ترفع إليه الأيدي في الدعاء ؛ لصفاء جوهره أقصى غاية الصفاء ، وتهيّئه لقبول الفيض عن المبدأ الأعلى أتمّ تهيّؤ ؛ لاعتداله الذاتي وبُعده عن التضادّ أقصى بُعد .
شرح نهاية الحكمة (القوة والفعل والقدم والحدوث) — صفحة 300
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٠٠