أساس العناية الإلهيّة ، من قبيل الاستكمال في الجوهر الإنساني ابتداءً من الجنين إلى أن يكون عقلًا بالفعل ، ومن الواضح : أنّ التفاوت في هذه المراتب الإنسانيّة ليس بأمورٍ عرضيّةٍ زائدةٍ كأحوال المزاج وغيره من المقدار والوضع وما يجري مجراهما ، حتّى إنّه لا فرق بين الطفل الناقص والشيخ الكامل إلّا بالأعراض ، فإنّ بطلان هذا قريبٌ من البديهيّات .
ومراده من مراتب النقص هو الذي يحصل بسبب قسر القاسر أو قصور القابل ، من قبيل انقلاب العناصر بعضها إلى بعض ، كالماء إذا صار هواءً عند ورود الحرارة الشديدة عليه المضعّفة للمائيّة قليلًا قليلًا بالتدريج حتّى يقرب طبيعته طبيعة الهواء فيصير هواءً « فليس ذلك بأنّ الماء مع كونه ماءً صار هواءً ، أو نفد الماء في آنٍ وحدث الهواء في آنٍ آخرٍ مجاور له ، فيلزم تتالي الآنين وهو محال ، أو غير مجاورٍ له ، فيلزم تعرّي الماء عن الصور بينهما ، وهو أيضاً محال ، بل الحقّ أنّ الجوهر المائي تنقّصت جوهريّته المائيّة على التدريج حتّى صار هواءً ، وذلك لأنّ الموضوع لهذه الحركة الجوهريّة هو الهيولى ولكن لا بنفسها ؛ لعدم قوامها إلّا بصورةٍ ما ، بل هي مع صورةٍ ما لا على التعيين موضوعةٌ لهذه الحركة ، فإنّما تقع حركتها في خصوصيّات الصور الجوهريّة ، وهذه كالحركة الكمّية . فإنّ الهيولى مادّة الكمّ المقداريّ لا يمكن خلوّه عن مقدار ما ، فهي مع مقدار ما باقيةٌ موضوعةً للحركة في خصوصيّات المقدار ، فلا تبطل وحدتها المعتبرة في بقائها وانحفاظها بتعاقب الصور عليها ، كما لا تبطل بتوارد المقادير عليها .
وقد علمت أنّ المقدار التعليميّ ليس ممّا يمكن تجرّد المادّة عنها لا في الوجود ولا في الوهم أيضاً ، فإذن : الموضوع للحركة الجوهريّة باقٍ بعينه بحاله التي اعتبرت في قوام وجوده ، ومع توارد خصوصيّات الجوهر
شرح نهاية الحكمة (القوة والفعل والقدم والحدوث) — صفحة 288
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٨٨