تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهاية الحكمة (القوة والفعل والقدم والحدوث) — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
قال صدر المتألّهين في المشاعر : « العالم بجميع ما فيه حادثٌ زمانيّ ، إذ كلّ ما فيه مسبوق الوجود بعدمٍ زمانيّ ، بمعنى : أن لا هويّة من الهويّات الشخصيّة إلّا وقد سبق عدمها وجودها ووجودها عدمها سبقاً زمانيّاً . وبالجملة : لا شيء من الأجسام والجسمانيّات المادّية - فلكيّاً كان أو عنصريّاً ، نفساً كان أو بدناً - إلّا وهو متجدّد الهويّة غير ثابت الوجود والشخصيّة ، مع برهانٍ لاح لنا من عند الله لأجل التدبّر في آيات الله تعالى وكتابه العزيز ، مثل قوله سبحانه : بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ( ق : 15 ) ، وقوله تعالى : عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ ونُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ ( الواقعة : 61 ) ، وقوله تعالى : وتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ ( النمل : 88 ) ، وقوله تعالى : إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ( فاطر : 16 ) ، وقوله : والسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ( الزمر : 97 ) ، وقوله تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ ومَنْ عَلَيْها وإِلَيْنا يُرْجَعُونَ ( مريم : 40 ) ، وقوله تعالى : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ويَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ والْإِكْرامِ ( الرحمن : 26 - 27 ) ، وقوله تعالى : إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ والْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً ( مريم : 93 ) . ومبدأ هذا البرهان المشار إليه تارةً من جهة تجدّد الطبيعة ، وهي صورةٌ جوهريّةٌ ساريةٌ في الجسم ، هي المبدأ القريب بحركته الذاتيّة وسكونه ومنشأ آثاره . وما من جسمٍ إلّا ويتقوّم ذاته من هذا الجوهر الصوريّ الساري في جميع أجزائه ، وهو أبداً في التحوّل والسيلان والتجدّد والانصرام والزوال والانهدام . فلا بقاء لها ، ولا سبب لحدوثها وتجدّدها ؛ لأنّ الذاتي غير معلّل بعلّةٍ سوى علّة الذات . والجاعل إذا جعلها ، جعل ذاتها المتجدّدة . وأمّا تجدّدها ، فليس بجعل جاعلٍ وصنع فاعل . وبها يرتبط الحادث بالقديم ، لأنّ وجودها بعينه هذا الوجود التدريجي ، وبقاؤها عين حدوثها ، وثباتها عين