الدليل على أنّ العالم المادّي حادثٌ زمانيّ
بناءً على ما تقدّم من أنّ الحدوث الزماني له معنيان أحدهما مسبوقيّة وجود الشيء بالعدم الزماني ، والآخر أنّ الحادث الزماني هو حصول الشيء في الزمان بعد أن لم يكن ، بعديّةً لا تجامع القبليّة . فعلى هذا يكون المراد بكون عالم المادّة حادثاً زمانيّاً هو المعنى الثاني من الحدوث الزماني ، ويستحيل أن يكون عالم المادّة حادثاً بالحدوث الزماني بالمعنى الأوّل وهو مسبوقيّة الشيء بالعدم الزماني ؛ لأمرين :
الأوّل : عدم وجود الزمان قبل وجود عالم المادّة ، وعلى هذا فلا يصحّ أن نقول : إنّ عالم المادّة مسبوق بعدمٍ زمانيّ ، إذ لا وجود للزمان قبل عالم المادّة .
الثاني : أنّ الزمان متأخّرٌ عن الحركة ، لأنّ الزمان عارضٌ عليها ، وكلّ عارضٍ متأخّرٌ عن المعروض ، فلو كان الزمان متقدّماً على الحركة المادّية للزم أن يكون المتقدّم متأخّراً وبالعكس .
أمّا الاستدلال على حدوث عالم المادّة بالمعنى الثاني فبناءً على أنّ العالم المادّي متحرّكٌ بحركةٍ جوهريّةٍ بجوهره وما يلحق به من الأعراض ، وأنّه وجودٌ واحدٌ سيّالٌ متجدّدٌ في ذاته ، يسير من النقص إلى الكمال ومن القوّة إلى الفعل ، وهذا الوجود المادّي المتحرّك منقسمٌ إلى أجزاء وكلّ جزءٍ منه فعليّةٌ لسابقه من الأجزاء وقوّةٌ للاحقة من الأجزاء . والحركة الجوهريّة العامّة للعالم المادّي هي امتدادٌ مبهمٌ ترسم امتداداً معيّناً وهو الزمان ، فكلّما فُرض قطعة معيّنةٌ من هذا الزمان الذي هو الامتداد الكمّي انقسمت تلك القطعة إلى زمانٍ سابق وزمانٍ لاحق ، وهكذا لو قسّمنا القطعة الزمانيّة السابقة فإنّها تنقسم أيضاً إلى زمانٍ سابق ولاحق ، وهكذا يستمرّ التقسيم من دون أن يقف على حدّ ، لأنّ الحركة لا تنتهي إلى سكون ، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الزمان ، إذ لا