بعبارة أخرى : قالوا : إنّ السبب في امتناع الحركة في الحركة هو : أنّ الميزان في تحقّق ووجود الحركة - التي هي خروجٌ من القوّة إلى الفعل ، آناً فآناً - هو أن تكون الحركة قابلةً للانقسام إلى أجزاءٍ آنيّة ، والحال أنّ الحركات الثانية إذا قسّمت إلى أجزاء ، فلا تكون هذه الأجزاء آنيّة ، وإنّما تكون أجزاءً تدريجيّة ؛ لأنّ معروضها وهو الحركة الأولى تدريجيّة أيضاً ، فلا ينطبق عليها حدّ الحركة الذي هو قابليّة الانقسام إلى أجزاءٍ آنيّة ، فيمتنع أن تقع الحركة في الحركة .
قال صدر المتألّهين في الأسفار في بيان امتناع وقوع الحركة في مقولتي أن ينفعل وأن لا ينفعل : « يمتنع أن تقع الحركة في شيء منهما ؛ لأنّها الخروج عن هيئة ، والترك لهيئة ، فهي يجب أن تكون خروجاً عن هيئة قارّة ؛ لأنّها لو وقعت في هيئةٍ غير قارّة لما كان خروجاً عنها بل إمعاناً فيها . وبالجملة : معنى الحركة في المقولة عبارة عن أن يكون للمتحرّك في كلّ آنٍ فردٌ من تلك المقولة ، فلابدّ لما يقع فيه الحركة من أفرادٍ آنيّة بالقوّة وليس لتينك المقولتين فردٌ آنيّ ، مثلًا : إن وقعت الحركة في التسخين ، يجب أن يكون إلى التبريد ، فيلزم أن يكون الجسم في حالة تسخّنه متبرّداً - مع أنّه لم يخرج عن التسخّن [ التسخين ] حتّى يكون متحرّكاً فيه ، وإن كان في أثناء حركته ترك التسخّن . فالحركة في غير مقولة أن ينفعل ، وكذا لا يمكن الحركة في مقولة متى ، وأمّا الإضافة فإنّها وإن وقع فيها التجدّد لكنّ وجود الإضافة غير مستقلّ ، بل الإضافة تابعةٌ لوجود الطرفين ، فلا حركة فيها بالذات كما مرّ ، وكذا الجدة فإنّ حركتها تابعةٌ لحركةٍ أينيّة في العمامة أو نحوها ، فلم يبق من المقولات التي يتصوّر فيها الحركة إلّا أربعٌ عند الجمهور » « 1 » .
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة : ج 3 ص 77 - 79 .