وفي المرحلة ذاتها في الفصل الثالث والعشرين قال : « إنّ الحركة لما كانت في جوهرها ، فالتغيّر والتجدّد ذاتيّ ، والذاتي لا يعلّل ، فالجاعل إنّما جعل المتجدّد ، لا أنّه جعل المتجدّد متجدّداً » « 1 » .
وقال في آخر بداية الحكمة : « ولمّا كان هذا العالم متحرّكاً بجوهره ، سيّالًا في ذاته ، كانت ذاته عين التجدّد والتغيّر ، وبذلك صحّ استناده إلى العلّة الثابتة ، فالجاعل الثابت جعل المتجدّد ، لا أنّه جعل الشيء متجدّداً ، حتّى يلزم محذور استناد المتغيّر إلى الثابت وارتباط الحادث بالقديم » « 2 » .
وأُجيب عنه : أنّ هناك فرقاً بين الجوهر والعرض ، فإنّ الجوهر وجوده في نفسه ، فيمكن أن يكون متحرّكاً بذاته ومجعولًا بنفس جعل الجوهر جعلًا بسيطاً . وهذا بخلاف الأعراض فإنّ وجودها لغيرها أي لموضوعاتها ، وإذا كانت لغيرها فلا يمكن أن تكون متحرّكةً بذاتها ، لأنّ العرض لمّا كان وجوده لغيره ، فلابدّ أن تكون حركته التي هي نحو وجوده موجودةً لغيره أيضاً ، ولا يمكن أن يكون موصوفاً بالحركة لذاته ، فلا يكون متجدّداً بذاته .
بعبارة أخرى : إنّ الحركة الجوهريّة عين وجود الجوهر ، وإيجاد الجوهر هو بعينه إيجادٌ للحركة الجوهريّة .
أمّا إيجاد الأعراض فليس إيجاد الجوهر عين إيجاد الأعراض والحركات العرضيّة ، ولهذا السبب تنسب الحركات العرضيّة إلى الطبيعة الجوهريّة وتعتبر فعلًا لها ، ومثل هذا الفعل يحتاج إلى فاعلٍ طبيعيّ ، ويكون تغيّره - العرض - علامةً على تغيّر فاعله وهو الطبيعة الجوهريّة .
هامش
( 1 ) بداية الحكمة ، المرحلة العاشرة ، الفصل الحادي والعشرون .
( 2 ) المصدر السابق ، المرحلة الثانية عشرة ، الفصل الثالث عشر : ص 223 .