تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهاية الحكمة (القوة والفعل والقدم والحدوث) — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
الجزئيّة والخاصّة يوجب عروض التغيّر على الفاعل ، فالإنسان الذي لديه إرادةٌ كلّيةٌ للذهاب إلى غايةٍ معيّنة - كالذهاب والوصول إلى المكتبة مثلًا - لكن هذه الغاية الكلّية تحمل في طيّاتها إراداتٍ جزئيّةً تتوارد على النفس آناً فآناً ، ففي كلّ خطوةٍ يحتاج الإنسان إلى إرادةٍ جزئيّة ، وإلّا قد تكون الإرادة الكلّية موجودة ، ولكن قد تنقطع الإرادة الكلّية في وسط الطريق ، فلا يكمل المسير ؛ من قبيل : إرادة شخصٍ لتأليف كتاب ، فلديه إرادةٌ كلّية لذلك ، لكنّها لا تكفي للشروع في التأليف ؛ لوجود إراداتٍ جزئيّةٍ في كلّ صفحة وفي كلّ سطر وفي كلّ آن ، حتّى يتمّ الكتاب بأسره وتتحقّق إرادته . والحاصل : إنّ قولكم : بأنّ علّة المتغيّر متغيّرة ، لا يثبت التغيّر في الطبيعة ، لأنّ علّة حركات الأعراض مركّبةٌ من الطبيعة ومن الشرائط ، وعلّة المتغيّر متغيّرةٌ يكفي أن يكون جزءاً من العلّة متغيّراً ، وهي الشروط من القرب والبعد والإرادات الخاصّة والموانع والمعدّات . وبهذا فإنّ المقدّمة الثالثة القائلة بأنّ علّة المتغيّر متغيّرة ، لا يثبت لنا كون الطبيعيّة متغيّرة ؛ لأنّ ثبوت التغيّر في العلّة لا يثبت التغيّر في جميع أجزائها . وقد بيّن صدر المتألّهين هذا الإشكال بهذه الكيفيّة حيث قال : « في إثبات الطبيعة لكلّ متحرّك وأنّها هي المبدأ القريب لكلّ حركة سواء كانت الحركة طبيعيّة أو قسريّة أو إراديّة . . . والحكماء كالشيخ الرئيس وغيره معترفون : بأنّ الطبيعة ما لم تتغيّر لا يمكن أن تكون علّة الحركة ، إلّا أنّهم قالوا لابدّ من لحوق التغيّر لها من خارج ، كتجدّد مراتب قرب وبعد من الغاية المطلوبة في الحركات الطبيعيّة وكتجدّد أحوال أخرى في الحركات القسريّة ، وكتجدّد الإرادات والأشواق الجزئيّة المنبعثة عن النفس على حسب تجدّد الدواعي الباعثة لها على الحركة » « 1 » .
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة : ج 3 ص 65 .
شرح نهاية الحكمة (القوة والفعل والقدم والحدوث) — صفحة 243 | السيد كمال الحيدري