القاسر العلّة المعدّة ، والمعدّ علّةٌ بالعرض ، ولذلك يزول القسر والحركة غير منقطعةٍ بعد ، وأيضاً لابدّ من انتهاء القواسر إلى الطبيعة أو الإرادة ، وأمّا إذا كانت إراديّة فإنّ النفس إنّما تحرّك الجسم باستخدام الطبيعة ، وكثير من أولي البحث وإن زعموا أنّ النفس هي الفاعلة القريبة للحركات المنسوبة إلى الإرادة ، لكنّ التحقيق أنّ المبدأ القريب لها هي بعينها طبيعة تلك الأعضاء والآلات ، جعلت مطيعةً إيّاها ؛ لأنّها منبعثةٌ عن النفس على الأعضاء لتدبير البدن بواسطتها ، ونحن نتيقّن بالوجدان فضلًا عن البرهان أنّ الأمر المميل للجسم والصارف له من مكانٍ إلى مكانٍ أو من حالةٍ إلى حالة ، لا يكون إلّا قوّةً فعليّةً قائمةً به وهي المسمّاة بالطبيعة ، فالمبدأ القريب للحركة الجسميّة قوّةٌ جوهريّةٌ قائمةٌ بالجسم ؛ إذ الأعراض كلّها تابعةٌ للصورة المقوّمة وهي الطبيعة » « 1 » .
ولا يخفى أنّ هذا البرهان مبنيٌّ على مقدّمة تقدّمت في الفصل السابع من نهاية الحكمة في المرحلة السادسة ، حيث قال : « إنّا نجد الأجسام مختلفةً بحسب الآثار القائمة بها من العوارض اللازمة والمفارقة . واختصاص كلٍّ من هذه المختلفات الآثار بما اختصّ به من الآثار ليس إلّا لمخصّصٍ بالضرورة ، ومن المحال أن يكون المخصّص هو الجسميّة المشتركة ؛ لاشتراكها بين جميع الأجسام ، ولا المادّة المشتركة لأنّ شأنها القبول والاستعداد دون الفعل والاقتضاء ، ولا موجوداً مفارقاً ؛ لاستواء نسبته إلى جميع الأجسام . ويمتنع أن يكون المخصّص هو بعض الأعراض اللاحقة بأن يتخصّص أثرٌ بأثر سابق ، فإنّا ننقل الكلام إلى الأثر السابق فيتسلسل أو يدور أو ينتهي إلى
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة : ج 3 ص 64 .