كان مرادهم الإشارة إلى مدرسة الرأي ، وليس مرادهم النهي من تفسيره على قواعد اللغة والنحو والفهم العرفي ، فإنّ الاعتماد على هذه الأمور ونحوها لا يمتُّ إلى الرأي بشيء . لكن لما لم يحرَّر محلّ النزاع وبيان المراد بالرأي الذي يثبته القائل به - حيث يريد به معنى هو غير المعنى الذي يريده القائل بالنفي - وقع الخلاف بين الرأيين ، ولا ريب أنّ مراد كلّ منهما غير الآخر . ونحن ننفي الرأي الذي تعتمد عليه تلك المدرسة الخاصّة ، ونثبته بمعناه اللغوي .
ومثل هذه النزاعات - كما قلنا - تجري في جميع العلوم خصوصاً في الأبحاث العقلية ، لأنّ تحديدها بيد الواضع ، فلابدّ أن نسأل في المقدّمة عندما يطلق الباحث كلمة الوجود أو الماهية أو البسيط مثلًا ، عن المقصود منها . وكذا عندما يقال : ( الواحد لا يصدر منه إلّا واحد ) لابدّ أن نفهم المقصود من الواحد ، إذ له معان متعدّدة ، فيطلق على الواحد الحقيقي والعددي والنوعي ، والواحد بالعموم والواحد بالخصوص وبالكلّية ( « 1 » ) . . . وقد يقاس ذلك على الأفراد حيث يقول شخص : أنا واحد ويصدر منّي كثير من الأفعال المختلفة ( « 2 » ) ، إذن فما هو مراد الحكماء من قولهم : الواحد لا يصدر منه إلّا واحد ؟ ولابدّ من فهم المقصود من الواحد الذي صدر منه الواحد ، ومن الواحد الذي صدر عنه ، حينئذ يفهم أنّ المراد من الواحد هو بسيط الحقيقة الذي صدرت عنه كلّ الأشياء وهو الله تعالى ، والمراد من الواحد الذي صدر منه هو كلّ عالم الإمكان لا الواحد العددي . فالله واحد بسيط وصدر منه عالم الإمكان وهو واحد . وبهذا يتنقّح معنى الواحد ، وأنّه يطلق على معان متعدّدة ، ولابدّ من تحديد أنّ المراد منه الواحد البسيط لا الواحد في باب الأعداد ، كما يدلّ عليه قول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عندما قام إليه إعرابي يوم الجمل ، فقال :
هامش
( 1 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق : ص 182 .
( 2 ) المصدر السابق : ص 215 . .