تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح كتاب المنطق — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
[ وليس الشعر والخطابة كسائر الصناعات الأخرى التي يبدع فيها الصانع عن رويّة وتأمّل دائماً ] حيث قد يلهم الشاعر فكرة وهو يخوض في كلّ شيء إلَّا الشعر ، وليس كذلك أصحاب الصناعات الأخرى كالنجارة مثلًا ، فلكي يبدع النجّار لابدّ له من رويّة وتأمّل قد يمتدّ ويطول . [ وإلى هذا أشار صحار العبدي لمّا سأله معاوية : ما هذه البلاغة فيكم ؟ فقال : شيء يختلج في صدورنا ، فتقذفه ألسنتنا كما يقذف البحر الدرر ] ( « 1 » ) إنما أعجب معاوية ببلاغة صحار بن عيّاش العبدي لما قال له : يا أزرق . فقال صحار : البازي أزرق ، قال : يا أحمر ، قال : الذهب أحمر ، فال : معاوية : ما هذه البلاغة فيكم عبدَ القيس ؟ فقال عندها صحار : شيء يختلج في صدورنا فتقذفه ألسنتنا كما يقذف البحر الزّبد ( « 2 » ) . فقال : فما البلاغة عندكم ؟ قال : أن نقول فلا نخطئ ، ونجيب فلا نبطئ ( « 3 » ) . [ وهذه لفتة بارعة من هذا الأعرابي أدركها بفطرته وصوّرها على طبع سجيّته . ومن أجل ما قلناه من استمداد الشاعر من منطقة اللا شعور ، تجده قد لا يواتيه الشعر وهو في أشدّ ما يكون من يقظته الفكرية ورغبته الملحّة في إنشائه ] والسرّ في ذلك أن تلك المنطقة ليست تحت سيطرة صاحبها ، كيف وهي منطقة غير مشعور بها شعوراً مركّباً حتّى يتمّ النيل منها كلما أراد الشاعر ، بل لعل الإلحاح عليها يزيدها استعصاءً وامتناعاً وإحجاماً عن إعطاء ما يراد منها . [ قال الفرزدق : قد يأتي عليّ الحين وقلع ضرس عندي أهون من قول بيت شعر ] . أمّا الفرزدق فقد عدّه محمد بن سلام الجمحي في الطبقة الأولى من طبقات الإسلام التي هي عشر طبقات ، واسمه همّام بن غالب بن صعصعة
هامش
( 1 ) كتاب العقد الفريد ، مصدر سابق : ج 4 ، ص 30 . ( 2 ) جاء في العقد الفريد الزّبد وليس الدرر كما نقل المصنّف ( قدس سره ) . ( 3 ) المصدر السابق . .