البارع - كالخطيب البارع - يستمدّ في إبداعه من عقله الباطن اللاشعوري ، فيتدفّق الشعر على لسانه كالإلهام من حيث يدري ولا يدري ، على اختلاف عظيم للشعراء والخطباء في هذه الناحية ] . هناك أمران يحسن الوقوف عندهما باختصار :
1 . العقل اللاشعوري .
2 . الإلهام .
أمّا الأوّل فقد يُفهم منه للوهلة الأولى التهافت ظاهراً ، حيث إنّ العقل يعني الشعور والدرك ، فكيف يوصف الشعور والدرك بأنه لا شعوري .
الجواب : بالرجوع إلى تقسيم الجهل إلى بسيط ومركّب ؛ وكذلك العلم فإنه ينقسم إلى بسيط ومركّب ، والعلم البسيط هو أنك تعلم ولا تعلم أنك تعلم ، والعقل الباطن منه فهو عقل وشعور لكنه غير مشعور به ، وأمّا العلم المركّب هو أنك تعلم وتعلم أنك تعلم .
وأمّا الثاني فقد فرّقوا بين الإلهام والوحي : إن الإلهام قد يحصل من الحقّ تعالى بغير واسطة المَلَك بالوجه الخاصّ الذي له مع كلّ موجود ، والوحي يحصل بواسطته ، ولذلك لا تسمّى الأحاديث القدسية ب - ( الوحي ) و ( القرآن ) وإن كانت كلام الله تعالى . . . . وأيضاً الوحي من خواص النبوّة ، . . . . والإلهام من خواص الولاية ، وأيضاً هو مشروط بالتبليغ دون الإلهام . . . . ( « 1 » ) .
صحيح أن الشعراء الحقيقيين لهم هذه الحالة من الاستمداد من العقل الباطن ، لكنهم يتفاوتون في مستوى هذا الاستمداد شدّة وضعفاً ، وبهذا يمتازون ، وحالهم في هذا حالهم في تفاوتهم - بل تفاوت الناس - في الاستفادة من العقل الباطن .
هامش
( 1 ) شرح فصوص الحكم ، داود القيصري ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 127 . .