تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح كتاب المنطق — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
[ إن الأمر بحفظه وتناسيه فلسفة عميقة في العقل الباطن ، توصّل إليها ذلك الشاعر بفطرته وتجربته : إن هذا هو شحن القوة للعقل الباطن لتهيئته لإلهام الشعور في ساعة الانشراح والانطلاق التي هي إحدى ساعات تيقّظ العقل الباطن وانفتاح المجرى النفسي بين منطقتي اللا شعور والشعور ، أو بالأصحّ إحدى ساعات اتّحاد المنطقتين . بل هي من أفضل تلك الساعات . وما أعزّ انفتاح هذا المجرى على الإنسان إلّا على من خُلِقَ مُلهَماً فيؤاتيه بلا اختيار ] . أما الأمر بحفظ كمّ هائل من الشعر المختار فهو ممّا لابدّ منه ، وذلك إثراءً للقاموس اللغوي بالألفاظ وإغناءً للمتخيلة بالصور الكثيرة ، وأمّا الأمر بالنسيان - أي عدم الالتفات إلى المحفوظات وعدم استدعائها - فإنّه يؤمّن فرصة لرسوخ هذه الصور وتمكّنها من النفس وتفاعلها في منطقة لا شعورها حتّى تتلاقى وتتلاقح لتنتج صوراً أخرى يستدعي بعضها بعضاً بسبب العلاقة التي تقوم بين الصور المحفوظة في قوّة الخيال . فإذا تمكّنت تلك الصور من الخيال ، والألفاظ كذلك ، وأخذت حقّها من الركون والاستقرار ، كانت كالثمرة التي إن لم تقطف بيد الفلّاح هي تلقي بنفسها تاركة الغصن ، معلنة أنها بلغت مرحلة النضج ، وأنها تحت تصرّف المشتهين ، وكذلك حال الصور والألفاظ التي غاصت في عمق لا شعور الإنسان ، فإنها تلحّ عليه بين الحين والآخر ، حتّى تسترعي انتباهه وتلفت نظره إلى أنه صار بالإمكان القطاف بسهولة ويسر ومتعة .