وهذه القدرة على تأدية الكلام المعبّر بلهجاته ونغماته ونبراته شرط أساس لنجاح الخطيب ، إذ بذلك يستطيع أن يمتزج بأرواح المستمعين ويبادلهم العواطف ويجذبهم إليه . وإلقاء الكلام الجامد لا يثير انفعالاتهم ولا تتفتّح له قلوبهم ولا عقولهم ، بل يكون على العكس مملًا مزعجاً .
2 . ما يتعلّق بالخطيب ، وهو ما يخصّ معرفته عند المستمعين وهيئته ومنظره الخارجي ليكون قوله مقبولًا . وقد تقدم ذكر بعضه في الاستدراجات . وهو على وجهين قولي وفعلي :
أمّا القولي فمثل الثناء عليه أو على رأيه وإظهار نقصان خصمه أو ما يذهب إليه ، وتقرير ما يقتضي اعتقاد الخير به والثقة بقوله .
وأمّا الفعلي فمثل الصعود على مرتفع كالمنبر ، فإن مشاهدة الخطيب لها أكبر الأثر في الإصغاء إليه ، وملاحقة تسلسل كلامه والانطباع بأفكاره وانفعالاته النفسية . ومثل الظهور بمنظر جذّاب ولباس مقبول لمثله ، فإن لذلك أيضاً أثره البالغ في نفوس المخاطبين . ومثل الإشارات باليد والعين والرأس وحركات البدن وتقاطيع الوجه وملامحه ، فإن كلّ هذه تعبّر عن الانفعالات والمقاصد إذا أحسن الخطيب أن يضعها في مواضعها . وهكذا كلّ فعل ، له تأثير على مشاعر السامعين على نحو ما أشرنا إليه في الاستدراجات .
والعوامّ أطوع إلى الاستدراجات من نفس الكلام المعقول المنطقي ، ولهذا السبب تجد أن المتزهّد المتقشّف يسيطر على نفوسهم وإن كان فاسد العقيدة أو غير مرضيّ القول أو سيّئ التصرفات .
ثم إنه ينبغي أن يجعل من باب الأخذ بالوجوه الذي يستعين به الخطيب على التأثير هو ( الشعر ) فإنه - كما سيأتي - آكد في التأثير على العواطف وأمكن في القلوب . فلا ينبغي أن تفوت الخطيب الاستعانة بالشعر ، فيمزج به كلامه ويلطّف به خطابه ، لاسيّما الأمثال والحكم منه ، ولاسيّما ما كان مشهوراً لشعراء معروفين . وسيأتي في البحث الآتي الكلام عن صناعة الشعر .
شرح كتاب المنطق — صفحة 208
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٠٨