4 . الأخذ بالوجوه
المقصود بالأخذ بالوجوه تظاهر الخطيب بأمور معبّرة عن حاله ، ومؤثّرة في المستمع على وجه تكون خارجة عن ذات الخطيب وأحواله ، وخارجة عن نفس ألفاظه وأحوالها ، وتكون بصناعة وحيلة . ولذلك يسمّى هذا الأمر نفاقاً ورياء ، وليس المقصود به أنه يجب ألّا تكون له حقيقة كما قد تعطيه كلمة النفاق والرياء .
وهذا الأمر مع فرضه من الأمور الخارجة عن ذات الخطيب ولفظه ، فهو له تعلّق بأحدهما ، فهو لذلك على نوعين :
1 . ما يتعلّق بلفظه ، والمقصود به ما يخصّ هيئة أداء اللفظ وكيفية النطق به فإن الخطيب الناجح من يستطيع أن يؤدّي ألفاظه بأصوات ونبرات مناسبة للانفعال النفسي عنده أو الذي يريد أن يتظاهر به ، ومناسبة لما يريد أن يحدثه في نفوس المخاطبين من انفعالات ، وأن يلقيها بنغمات مناسبة لمقصوده ، والمعنى الذي يريد إفهامه للمخاطبين ، فيرفع صوته عند موضع الشدّة والغضب مثلًا ، ويخفضه عند موضع اللين ، ويسرع به مرّة ويتأنّى أخرى ، وبنغمة محزنة مرّة ومفرحة أخرى . . . وهكذا حسب الانفعالات النفسية وحسب المقاصد .
وقد قلنا سابقاً في الاستدراجات أن هذه أمور ليس لها قواعد مضبوطة ثابتة بل هي تنشأ من موهبة يمنحها الله تعالى من يشاء من عباده تصقل بالمران والتجربة .
وعلى كلّ حال ينبغي أن يكون الإلقاء معبّراً عما يجيش في نفس الخطيب من مشاعر وحالات نفسية أو يتكفّلها ، ومعبّراً عما يريد أن يحدثه في نفوس المخاطبين ، كما ينبغي أن يكون معبّراً أيضاً عن مقاصده وأغراضه الكلامية ، فإن جملة واحدة قد تلقى بلهجة استفهام وقد تلقى نفسها بلهجة خبر من دون إحداث أيّ تغيير في نفس الألفاظ ، والفرق يحصل بالنغمة واللهجة .