3 . نظم وترتيب الأقوال الخطابية
كلّ كلام يشتمل على إيضاح مطلوب خطابياً أو غير خطابي ، لابدّ أن يتألّف من جزأين أساسيين ، هما الدعوى والدليل عليها . والنظم الطبيعي يقتضي تقديم الدعوى على الدليل ، وقد تقتضي مصلحة الإقناع العكس ، وهذا أمر يرجع تقديره إلى نفس المتكلّم .
أمّا الأقوال الخطابية فالمناسب لها على الأغلب - بالإضافة إلى ذينك الجزأين الأساسيين - أن تشتمل على ثلاثة أمور أخرى : تصدير واقتصاص وخاتمة . ونحن نبيّنها بالاختصار :
الأوّل : ( التصدير ) وهو ما يوضع أمام الكلام ومقدّمة له ليكون بمنزلة الإشارة والإيذان بالغرض المقصود للخطيب ، والفائدة منه إعداد المستمعين وتهيئتهم إلى التوجّه نحو الغرض . وهو يشبه تنحنح المؤذّن قبل الشروع وترنّم المغنّي في ابتداء الغناء . وكذلك كلّ أمر ذي بال يراد منه لفت الأنظار إليه ، ينبغي تصديره بشيء مؤذن به .
والأحسن في الخطابة أن يكون التصدير مشعراً بالمقصود وملوّحاً به ، لأنه إنما يؤتى به لفائدة تهيئة المستمعين لتقبّل الغرض المقصود . ولأجل هذا يفتتح خطباء المنبر الحسيني خطاباتهم بالصلاة على الحسين ( عليه السلام ) والتظلّم له . ويفتتح الكتّاب رسائلهم بالبسملة ونحوها ، وبالسلام والشوق إلى المرسل إليه ، وبما قد يشعر بالمراد ، كما هو المألوف عند أصحاب الرسائل في العصور المتقدّمة .
ولكن ينبغي للخطيب أو الكاتب - إذا رأى أن التصدير ممّا لابدّ منه - أن يلاحظ فيه أمرين :
1 . ألّا يفتتح خطابه بما ينفّر المخاطبين أو يثير سخطهم ، كأن يأتي - مثلًا - بما يشعر التشاؤم في موضع التهنئة والفرح والسرور ، أو ما يشعر