تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح كتاب المنطق — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
صناعة الخطابة وإنما صناعة البرهان [ فإنّ هذا ليس شأن هذه الصناعة . بل لابد أن تكون من جهة ما فيه من نفع وفائدة ، فينبغي أن يفعل ، فتكون الخطابة فيه ترغيباً وتشويقاً وإذناً في فعله . أو من جهة ما فيه من ضرر وخسارة فينبغي ألّا يفعل ، فتكون الخطابة فيه تحذيراً وتخويفاً ومنعاً من فعله ] ، وكأن لسان حال الخطابة التي هي على نحو المشاورة أن الشيء الفلاني الذي لا وجود له بالفعل الآن ، لو وجد لترتّب عليه كذا وكذا من خيرات ومنافع ، فيأخذ الخطيب في تفصيل تلك الآثار والمنافع تحفيزاً منه للمخاطبين وحضّاً لهم لبذل الوسع في المساهمة في إيجاد ذلك الشيء لكي ينعم الناس بما له من خير ومنفعة ، وكذلك يفعل فيما لو كان الشيء فيه مضارّ فإنّه يجدُّ في بيانها من أجل أن ينفّر الناس منه فلا يفسحون المجال لوجوده . [ فهذه الأنواع الثلاثة هي الأغراض الأصلية التي تقع للخطيب ، وقد يتوصّل إلى غرضه ببيان أمور تقع في طريقه وتكون ممهّدة للوصول إليه ومعينة للإقناع وتسمّى ( التصديرات ) ، مثل أن يمدح شيئاً أو شخصاً ، فينتقل منه إلى المشاورة للتنظير بما وقع أو لغير ذلك ] . وذلك كما يفعل خطباء المنبر الحسيني عندما يريدون الدخول في بيان مصيبة من مصائب كربلاء مثلًا ، وذلك كتصوير أثر مصرع أبي الأحرار الحسين بن علي ( عليهما السلام ) على ملائكة السماء ، وذلك من خلال استحضار صور الحسين ( عليه السلام ) وهو يبكي لفقد أمّه الزهراء ( عليها السلام ) فيروي الخطيب أنّ نداءً أو هاتفاً جاء عليّاً ( عليه السلام ) يطلب منه تنحية الحسن والحسين ( عليهما السلام ) عن أمّهما فاطمة ( عليها السلام ) فوالله لقد أبكيا ملائكة السماء . وهنا يجدها الخطيب فرصة مناسبة للدخول في تهييج عواطف الحاضرين من خلال قوله : إذن ما الذي فعلته ملائكة السماء وهي تراك على تلك الحالة في صعيد كربلاء سيدي يا أبا عبد الله ؟ ! [ والتشبيب الذي يستعمله الشعراء سابقاً في صدر مدائحهم من هذا القبيل ، فإن الغرض الأصلي هو المدح ، والتشبيب تُصدَّر به القصيدة