الشرح
إذا أراد شخص أن يحصّل ملكة صناعة الجدل ، فكيف يحصّلها ؟
لتوضيح الإجابة عن هذا السؤال نضرب مثالًا فنقول : تارة يريد الإنسان أن يكون شجاعاً بحيث إن وقعت ملحمة أو معركة أو وقع هجوم عدوّ على وطنه يُقْدمُ ، وتارة أخرى يريد أن يتعلّم ما هو تعريف الشجاعة ومن هو الشجاع وما هو سلوكه ، ولا يريد أن يكون شجاعاً .
لا شكّ أنّك تلاحظ الفرق بين الحالتين ، ففي الحالة الأولى يحتاج إلى العمل بالإضافة إلى العلم والممارسة ، وفي الحالة الثانية لا يحتاج إلّا إلى معرفة الاصطلاح ، كمن يعلّم بعض الأشخاص نظرياً على لوح الكتابة كيفية قيادة المركبات الآلية لكنّه لا يعرف القيادة . فإنّ تعلّم فنّ القيادة شيء ، وممارسة القيادة شيء آخر .
إذا اتّضح هذا ، نقول : تقدّم أنّ الجدل ملكة ، وربما يكون شخص قادراً على بيان أدوات هذه الصناعة لشخص يريد أنّ يتعلّم أساليب الجدل فيوضّحها له بأحسن الطرق النظرية لكنّه نفسه لا يكون قادراً على الجدل في الواقع ما لم يكن ممارساً له ، إذ لا علاقة بين أن يكون مجادلًا وأن يكون معلّماً للآخرين ومبيّناً لهم ماذا ينبغي للمجادل أن يقول وماذا ينبغي أن لا يقول من دون أن يمارس عملية الجدل .
ومن هنا يتّضح أنّ الطالب إذا قرأ أدوات هذه الصناعة والوسائل التي بها تحصل الملكة ، لا يصير مجادلًا بالفعل ، بل حتّى يكون كذلك بالفعل لابدّ أن يحصّل الأدوات ويمارس عملية الجدل . وهذا من قبيل علم الأخلاق ، فإنّ كثيراً من الناس يقرؤون كتب الأخلاق ، فيتعلّمون موارد الأخلاق كالشجاعة والجود والسخاء وأداء الأمانة . . ونحو ذلك ، ولكنّهم لا يكونون أسخياء ما لم
شرح كتاب المنطق — صفحة 395
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٩٥