تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح كتاب المنطق — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠

- 3 - المقارنة بين الجدل والبرهان

قلنا : إنّ الجدل أسلوب آخر من الاستدلال ، وهو يأتي في المرتبة الثانية بعد البرهان ، فلابدّ من بحث المقارنة بينهما وبيان ما يفترقان فيه فنقول : 1 . إنّ البرهان لا يعتمد إلّا على المقدّمات التي هي حقّ من جهة ما هو حقّ ، لتنتج الحقّ ، أمّا ( الجدل ) فإنّما يعتمد على المقدّمات المسلّمة من جهة ما هي مسلّمة ، ولا يشترط فيها أن تكون حقّاً وإن كانت حقّاً واقعاً ، إذ لا يطلب المجادل الحقّ بما هو حقّ - كما قلنا - بل إنّما يطلب إفحام الخصم وإلزامه بالمقدّمات المسلّمة ، سواء أكانت مسلّمة عند الجمهور ، وهي المشهورات العامّة والذائعات ، أم مسلّمة عند طائفة خاصّة يعترف بها الخصم ، أم مسلّمة عند شخص الخصم خاصّة . 2 . إنّ الجدل لا يقوم إلّا بشخصين متخاصمين ، أمّا البرهان فقد يقام لغرض تعليم الغير وإيصاله إلى الحقائق ، فيقوم بين شخصين كالجدل ، وقد يقيمه الشخص ليناجي به نفسه ويعلّمها لتصل إلى الحقّ . 3 . إنّه تقدّم في البحث السابق أنّ البرهان واحد في كلّ مسألة ، لا يمكن أن يقيمه كلّ من الفريقين المتنازعين . أمّا الجدل فإنّه يمكن أن يستعمله الفريقان معاً ، ما دام الغرض منه إلزام الخصم وإفحامه ، لا الحقّ بما هو الحقّ ، وما دام أنّه يعتمد على المشهورات والمسلّمات التي قد يكون بعضها في جانب الإثبات وبعضها الآخر في عين الوقت في جانب النفي . بل يمكن لأحد الفريقين أن يقيم كثيراً من الأدلّة الجدلية بلا موجب للحصر على رأي واحد ، بينما أنّ البرهان لا يكون إلّا واحداً لا يتعدّد في المسألة الواحدة ، وإن